اتجاه الصميم
ثمة الكثير مما يقال في الموقف الجزائري حيال اعتراف فرنسا بأحقية المغرب في المناطق التي اتخذت الرباط اخيراً اجراءات تساعد على تفكيك مشكلتها التي افتعلتها الجزائر منذ عقود، وقد طغت على كل ما يساعد في توحيد الموقف المغاربي العربي. منذ عقود عدة عملت الرباط على تفكيك الازمة المفتعلة عبر اجراءات هادئة، بدأ بها المغفور له، الملك الحسن الثاني، رحمه الله، بالمسيرة الخضراء، وهي مسيرة توازي استقلال المملكة عن الاستعمار الفرنسي قبل عقود، وكذلك تأكيد على وحدة التراب المغربي الذي لا ينازع فيه احد في وحدته، الا بعض القوى الساعية الى التنكر للحقوق المغربية الشرعية، وذلك على العكس من مواقف الرباط حيال جملة موضوعات مصيرية، كانت فيها المملكة المدافع الاول عن الجزائر.
الجميع يعرف الموقف المغربي من دعم المقاومة الجزائرية، واحتضان الثوار، بل ان ما دفعته المملكة في هذا الشأن كثير جداً، ولقد تحملت كل ذلك في سبيل تحرير الجزائر، التي للاسف لم تحفظ هذا الموقف، بل عملت منذ اواخر ستينات القرن الماضي على مساندة القوى الانفصالية، اي انها تنكرت حتى لشعاراتها التي كانت ترفعها ابان مقاومة الاستعمار الفرنسي.
ان الاعتراف الفرنسي بالإجراءات التي اتخذها المغرب حيال الحكم الذاتي، انما نابع من مراجعة تاريخية حتمت على باريس ان تسعى الى تصفية الخلافات التي نشأت في العقود الاخيرة، والسعي الى التقرب من دولة فاعلة في شمال افريقيا، وكذلك هي المفتاح من اجل ترتيب العلاقات الفرنسية- الافريقية التي شهدت في السنوات الاخيرة الكثير من الازمات.
يدرك صناع القرار الدولي، في العواصم الكبرى، ان دور الرباط يتخطى بكثير مما يمكن ان تشكله الجزائر في القارة، ولهذا فإن التقرب من المملكة ضرورة لا يمكن لأحد القفز فوقها، وبالتالي فإن الاعتراف الفرنسي بشكل او اخر، هو عودة الى الحق، لان باريس تدرك منذ زمن طويل ان الصحراء مغربية، وان وحدة التراب المغربي لا يساوم عليها احد، الا ان المماطلة بالاعتراف كانت ضمن لعبة دولية، اثبتت الاحداث فشلها، وبالتالي لا بد من العودة الى الحق مهما طال الزمن.
ان سحب السفير الجزائري من باريس، يعني ان القضية التاريخية افتعلتها الجزائر، وعملت على الاستثمار فيها لتحقيق مآرب اقل ما يقال فيها انها خارج الحسابات الواقعية، او بالاحرى تدخل ضمن مخطط اضعاف الموقف المغربي، الذي اثبت في العقود الاخيرة ان مسيرة التطور مستمرة، ولن توقفها عقبات صغيرة، او بالاحرى حصى يضعها مراهقون سياسيا امام عربة النهضة، التي تسير بقوة وثبات.
محام و كاتب كويتي
[email protected]