مختصر مفيد
في عام 1964، ضرب زلزال آنكوراج، عاصمة ولاية ألاسكا الأميركية، ومسحها من على وجه الأرض بقوة 9.2 درجة على مقياس ريختر، فانتزعت المباني من أساسها، أو انشطرت نصفين.
وكان في المدينة نحو 100 ألف نسمة، وبعد الزلزال تبين ان الأهالي تعاملوا مع الموقف بعاطفة وتعاون مذهل، إذ خرج الناس يبحثون عمن يكون على قيد الحياة، ويستخدمون الحبال لرفع من كان منهم تحت الركام، وانتشرت السيارات بما فيها سيارات الأجرة، وأخذ السائقون يحملون المصابين الى المستشفيات، أو يسحبون ركام الأسمنت بسياراتهم بعيدا عن واجهات المباني.
وكان الكل يمد يد العون بأي طريقة كانت، وهو شعور لا يحدث في الأيام العادية، ووفقا لرأي المتخصصين بعلم الاجتماع، فان الكوارث تستخرج أفضل ما لدى الإنسان من مشاعر طيبة، ويعزو آخرون هذه المحن لسبب ديني، فالله يريدنا ان نتعاطف ونتراحم بيننا.
كذلك تعرضت أميركا لإعصار "هارفي" الذي ضرب ولاية تكساس عام 2017، واجتاح الجنوب الاميركي إعصار "إيرما" ثم إعصار ثالث، وفي هذه الكوارث والمحن تعاون الأميركيون بين بعضهم بعضاً فظهر الكثير من المتطوعين، وبعضهم فتحوا منازلهم لإيواء الغرباء، وقدموا لهم شيئاً من طعام المنزل.
وظهرت سيارات تحمل أكياساً من الهبات والمعونات وبعض المواد الغذائية، وقطع الصابون، وأغطية الفراش، فازدحمت الشوارع بالسيارات، وأشادت بعض الصحف الأميركية والأوروبية بالمسلمين لأنهم فتحوا المساجد لإيواء الناس من خطر العاصفة، أو لمن تضرروا بفعل الكارثة، وبالطبع قدموا لهم الطعام.
لوحظ أن بعد الكوارث الطبيعية في أميركا تظهر منظمات خيرية فجأة تطلب التبرعات النقدية، فبعد إعصار "كاترينا" سنة 2005 ظهر اربعة آلاف موقع جديد على شبكة الانترنت يحتال على الناس لجمع التبرعات، وعندما ضرب أميركا إعصار "هارفي" تعرض كثير من الأميركان للنصب فأرسلوا 300 ألف شكوى للشرطة الأميركية، وبعامة تعتبر الزلازل والفيضانات فرصة للمجرمين لنهب الصدقات.
ولا يقتصر الأمر على أميركا، فما ان تحدث كارثة في منطقتنا العربية وغيرها حتى نجد النصابين والمحتالين، يظهرون فجأة يطالبون الناس التبرع بالمال.
هذه قصص عن سرقة الناس عند الكوارث الطبيعية أو الأزمات، لكن الأفضل أو الأجمل من ذلك، ان تعطي لا أن تأخذ، وهو ما يشعرك بالسعادة، فقد دلت الدراسات الأميركية والهندية على ان بذل الخير ومساعدة الناس (الصدقة والزكاة) تخفف التوتر والكآبة وتنفع الصحة.
وقد قرأت معلومة مفادها ان الشخص المتوتر والحزين لما يساعد الناس يشعر بأن ثقل التوتر وما يصاحبه من آلام بجسده قد انزاح عن كاهله فتسري السعادة والراحة في جسده.
لقد أثبتت دراسات اجرتها 54 جامعة أميركية ان بذل الخير تجاه الناس يشعر الإنسان بأنه أكثر سعادة وبصحة أفضل، ويقول الدكتور داغ أومان من جامعة كاليفورنيا: "كان الأطباء يعتقدون لفترة طويلة ان الأدوية تعالج الكآبة، وابتعدنا عن القيم التقليدية الفاضلة والمشاعر الروحانية".
في ماضي الكويت أصابتنا كوارث طبيعية، من أمطار وأعاصير وأمراض وجراد ومجاعات، لكن الكويتيين تخطوا ذلك بالتواصل والتراحم، ومساعدة بعضهم بعضا، فتواصلوا حتى بعود الكبريت مثلاً، اذ كان الجار يطلب من جاره عود كبريت ليشعل ناراً للتدفئة أو لصنع الطعام.
في بلدنا يحدث نهب وسلب للمال العام على الدوام، ولا يُشترط بالضرورة حدوث إعصار أو كارثة طبيعية، رغم ان المسؤول أقسم بالله ان يؤدي وظيفته بالذمة والشرف، وأترك القارىء ليتأمل الأسباب.
[email protected]