شفافيات
أكثر الناس يظن أن الجاهلية مرتبطة بالأزمنة القديمة؛ يحدها الزمان وقد يحدها المكان ايضا؛ لكن حقيقة الجاهلية انها عقيدة باطلة وسلوك مرتبط ببطلان العقيدة.
لا اعني بالعقيدة فقط التوجهات الدينية، انما اقصد فيها كل ما انعقد عليه العقل من تفكير، وارتبط بهذا السلوك البشري في كل مناحي الحياة السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، والدينية والتعليمية التربوية، ونظم العلاقات الانسانية، ونظم الاسرة والتسلية واللهو.
فكل جزئية من هذه الجرئيات قد تؤدي بفكر جاهلي، واسلوب جاهلي، ونظام جاهلي.
واقصد بالجاهلي الذي لا يحكم فيه العقل، والحكمة، والرشاد والهداية، الغريزية، واهمها بعده عن حاكمية الله للفكر، وما ينتج عنه من سلوك؛ وبالشكل هذا لا ترتبط الجاهلية بزمن ولا مكان، انما هي سلوك باطل مبني على اعتقاد وتصور باطل.
فتصور ان للكون الهة عدة تخصصية، واحد للزرع، وآخر للمطر وآخر للشمس والقمر، وعبادة هذه الالهة المزعومة جاهلية؛ ونظام الحكم التعسفي الديكتاتوري نظام جاهلي اينما وجد، وفي اي زمن وجد وحتى لو لوجد في القرن الخمسين، وليس العشرين والواحد والعشرين.
ومن اقوى ادلة وجود الجاهلية في قرننا هذا نظام العلاقات والحياة الاجتماعية في بعض الدول الاسيوية، فاذا توفي الرجل ومات تم حرقه، وايضا تحرق معه زوجته، وهذا يتم مشاهدته في الفيديوات المنتشرة دوليا، وطقوس حرق المرأة الحية، وهي تودع الاقارب والاصدقاء والعيال ببكاء وعويل، ورعب فيتم حرقها حية وشويها بالنار حتى تتفحم.
ونظام آخر في دول شرق آسيا ايضا، وهو حرق المرأة التي يصل عمرها الى ثلاثين سنة ويكون قطار الزواج قد فاتها، فلم تتزوج وما جاءها نصيب الزواج، فتودع اهلها ووالديها، وكل من يعز عليها ويتم اخذها للمحرقة فيتم اعدامها حرقا حتى التفحم.
ومثله كان في جاهلية العرب القديمة في وأد البنات احياء "وإذا الموءودة سئلت بأي ذنب قتلت"، والاكثر من هذا جاهلية هو سكوت العالم المتحضر عن هذه الجاهلية الشنعاء وسكوت المنظمات الانسانية عن هذا التخلف العقلي الجاهلي؛ وهذان انموذجان لنوع اجتماعي من الجاهلية البشرية في القرن الحادي والعشرين.
وقد شاهدت بنفسي بعض الفتيات المحكوم عليهن بالاعدام حرقاً وهن يقبلن اقاربهن ويودعن الجميع باكيات منتحبات مرعوبات قبل الحرق، وكذلك شاهدت توديع المتزوجات اللائي مات عنهن زوجهن وهن يودعن الجميع من اجل الاعدام حرقاً تبعاً لاحراق الزوج المتوفى: فبأي ذنب تقتل هذه النسوة؟ ولماذا سكوت العالم جميعا عن مثل هذه البشاعات الجاهلية في هذا القرن ايضا؟ قال تعالى: "أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون".
كاتب كويتي