شفافيات
هي جاهلية اعتقادية تسيطر على حياة الانسان، فكراً مغلوطاً، وسلوكاً تابعاً؛ وتلقي بظلال العبودية والسيطرة، والتحكم والغواية على حرية الانسان وانسانيته، وعلاقاته، ونظم حياته السياسية والاقتصاد والتعليمية، وكل شؤونه لا تترك مجالا الا واقتحمته؛ ولأن الدين عند الله لا يجبر الناس على الهداية، لكنه يساعد من يريد الهداية على أن يهتدي، ويقيض له كل وسائل المساعدة رحمة من الله وفضلا.
كما أنه يقيض للمعاندين الشياطين تؤزهم أزا "إن الله يهدي من يشاء ويضل من يشاء"، ومعناها الذي يجهله غالبية الناس هو ان الله يساعد، ويعين، ويوفق من يحكم عقله ورشده وتفكيره الذي ميزه الله به من أجل معرفة الحقيقة؛ وهي وحدانية الله ووجوب العبودية له وحده، وجعل حاكمية الله مرشداً وقائداً لمسيرة حياته، إن كان فرداً أو حاكماً، فمن سعى بارادته للهداية للحق مخلصاً جاهداً باذلاً الأسباب، فإن الله يفتح له افاق الهداية، ويزيد ايمانه ايمانا؛ "والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم".
وهو سبحانه يضل من يشاء، ومعناها أن البليد الذي اختار البلادة منهجاً لحياته واختار عدم تحكيم قواعد العقل والفكر، وسعى جاهداً للغرق في الضلال، والكفر، والفسوق، وتمادى في الغي والشهوات النفسية والعقلية والقانونية، وكل شهوة لا عقل فيها، ولا ضمير، ان من اختار هذا الطريق بمشيئته فإن الله يضل من يشاء الضلال هذا ويهديه الى عذاب السعير؛ وليس في هاتين الكلمتين انتقائية من الله يهدي من يشاء، ويضل من يشاء، فالله لا يظلم عباده بمثل هذه الانتقائية المغلوطة الجاهلية، بل انه ليملي للظالم ويعذبه لسوء ما اختار، وانتقى فيضل من يشاء لنفسه الضلال، ويسلط عليه كل شيء يجعل حياته ضنكا ويحشره يوم القيامة اعمى، وقد كان في هذه الحياة مبصرا بعيونه فقط، وليس بنور عقله.
وليس هذا مقتصراً على حياة الافراد وحدهم، بل إنه يشمل الجماعات والحضارات، فالحضارة التي تختار الهداية يهديها الله ويعينها والحضارة التي تسعى بجهودها للضلال والغواية لنفسها، ولغيرها يضلها الله.
ومن هنا ومن هذا المنطلق؛ واختارت العديد من الحضارات المعاصرة طريق المادية، والالحادية، والغواية بزعم التحرر من كل قيود الماضي، وتركت الحبل على الغارب، حتى مارست ابشع انواع الجاهلية والظلم والغواية، لم يحدها الزمان ولا المكان، وهكذا كانت جاهلية عامة سيطرت في كل مجال وعلى معظم اشكال الحياة البشرية، زماناً ومكاناً، وضمنت لنفسها القوة والبقاء، والاستمرارية والى أن يشاء الله... وللحديث بقية إن شاء الله.
كاتب كويتي
[email protected]