شفافيات
ذكريات كثيرة تمر بالامة الاسلامية، ومنها ذكرى اعدام المرحوم الاستاذ سيد قطب، يقول قطب في كتابه "في ظلال القرآن" الكريم: "لقد مر عليَّ بالحياة في ظلال القرآن فترة من الزمان، ذقت فيها من نعمته ما لم أذق قط في حياتي. ذقت فيها هذه النعمة التي ترفع العمر وتباركه وتزكيه.
لقد عشت أسمع الله - سبحانه - يتحدث إليَّ بهذا القرآن، أنا العبد القليل الصغير، أي تكريم للإنسان هذا التكريم العلوي الجليل، أي رفعة للعمر يرفعها هذا التنزيل، أي مقام كريم يتفضل به على الإنسان خالقه الكريم؟
وعشت - في ظلال القرآن - أنظر من علٍ إلى الجاهلية التي تموج في الأرض، وإلى اهتمامات أهلها الصغيرة الهزيلة، أنظر إلى تعاجب أهل هذه الجاهلية بما لديهم من معرفة الأطفال، وتصورات الأطفال، واهتمامات الأطفال، كما ينظر الكبير إلى عبث الأطفال، ومحاولات الأطفال. ولثغة الأطفال، وأعجب، ما بال هذا الناس؟ ما بالهم يرتكسون في الحمأة الوبيئة، ولا يسمعون النداء العلوي الجليل. النداء الذي يرفع العمر ويباركه ويزكيه".
هذا ما قاله سيد قطب عن العيش مع كتاب الله تفسيرا وفهماً، وربطاً بالواقع واستعلاء بالقرآن ومراميه واهدافه.
لقد اعدمت الجاهلية العالم الجليل بالقرآن سيد قطب لانه تصدى لجاهلية عصره، وواجه الجاهلية التي اغرقت العرب والعجم بالاعجاب بمنتجاتها المادية الخاوية من القيم والاخلاق اعدمته، لتخرس كل لسان يواجه الباطل ويتصدى للباطل بالحق، والكلمة والحجة، والبسوه تهماً نفاها تماما عن نفسه، لكن الطغيان اراد التخلص منه عبر المحاكمات الهزيلة التي حاولوا اذلاله فيها وتركيعه فيها وارهابه فيها؛ ولكنه كان رافع الرأس شامخاً ابى الاعتذار للباطل، حتى وهو على قاعدة الاعدام، وحبل الاعدام المصنوع في الاتحاد السوفياتي ومصدَّرٌ لاعدام الحق في الوطن العربي.
قلت وذلك الحبل النجس مربوط حول عنقه فلم يعتذر، وقال له الشيخ الذي جاء يلقنه الشهادة قال لسيد: "قل اشهد الا اله الا الله محمد رسول الله"، فسخر منه سيد قائلا: "أمال انا ايه اللي وقفني هنا غير شهادة الا اله الا الله محمدا رسول الله"، عندما قالها بحقها، واعلن ان لا حاكمية للبشر على البشر فالحاكمية لله وحده، والعبودية لله وحده. لكن هل كان العالم الاسلامي يستحق تضحية سيد قطب بنفسه ليوصل لهم كلمة التوحيد الربانية خالصة نقية؟
عندي حكايات عن سذاجة المسلمين في فهم دينهم تقول إنهم لا يستحقون تضحيته؛ لكنه ادى واجبه والله اعلم حيث يجعل رسالته.
كاتب كويتي
[email protected]