مختصر مفيد
قصة حقيقية، من روائع ما حدث في حقل التعليم الأميركي، ففي خمسينات القرن الماصي كان أولي نيل فتى فقيراً، من أسرة مكونة من 13 فرداً، يقطنون جميعهم منزلاً ليس فيه كهرباء.
وكانت مدرسة نيل في الجنوب، ونظراً لسلوكه المشاغب، فقد أزعج معلمته في الصف الآنسة غرادي، فعندما تدخل المعلمة الصف جرت العادة في المدارس أن يقول التلاميذ كلمة يا آنسة، أو يا سيدي، للمعلم إذا تطلب الأمر السؤال.
أما بيل فيذكر اسم المعلمة مباشرة فيقول: "يا غرادي"، ما يجعلها تذرف الدمع من حين آخر، وحدث ذات مرة أن تم القبض عليه، وهو يسرق من المحل الذي يعمل فيه بعد انتهاء دوام المدرسة، لكن صاحب المحل سامحه.
وفي أحد الأيام من عام 1957 تسلل نيل من الصف، وأخذ يتجول في مكتبة المدرسة فرأى كتاب "كنوز الوادي السعيد" للمؤلف الأميركي فرانك يربي فسرقه، ولم يرد أن يخبر رفاقه في الصف حتى لا يقولوا عنه أنه يقرأ الروايات، فهذا شيء معيب في نظره، وفي المنزل استمتع بقراءة الكتاب، ولما انتهى منه بعد أسبوع تسلل ثانية الى المكتبة أثناء الدوام المدرسي لإعادة الكتاب، وهناك وجد على الرف كتاباً ثانياً للمؤلف نفسه فسرقه أيضا.
كان هذا الكتاب رائعاً في نظره أيضاً، ولما أراد إعادته للمكتبة بعد قراءته اعترت الدهشة ملامح الصبي فقد وجد كتاباً ثالثاً للمؤلف نفسه، وتكرر هذا الفعل أربع مرات فقال نيل في نفسه: "لا بد أن القراءة هي الشيء الوحيد الذي أحبه"، ثم تغير مسار هذا التلميذ، فقد انتقل لقراءة الروايات الصعبة، والصحف والمجلات، والتحق بالثانوية، ثم كلية الحقوق، وفي عام 1991، تم تعيينه بوظيفة قانونية كأول مدعي عام في أركنساس، وبعد سنوات قليلة تم تعيينه قاضياً، وأخيراً كقاض لمحكمة الاستئناف.
ولكن القصة لم تكتمل بجميع جوانبها.
لقد رأت المعلمة غرادي التلميذ نيل يسرق الكتاب الأول، فتمالكت أعصابها من شدة الغضب، وأرادت مواجهته، لكنها لم ترد إحراجه ففضلت الهدوء، وفي يوم السبت، وهو يوم عطلة قادت سيارتها مسافة 112 كيلومتراً الى مدينة ممفيس تبحث في المكتبات عن رواية ثانية للمؤلف يربي وأخيراً وجدت كتاباً ثانياً، فاشترته ووضعته في الرف نفسه بالمكتبة، ولما رأت التلميذ نيل يسرق الكتاب الثاني عادت فقادت سيارتها يوم السبت التالي تقطع هذه المسافة أيضاً لشراء الكتاب الثالث، وكررت ذلك حتى الكتاب الرابع، حيث اشترت هذه الكتب الأربع من جيبها الخاص، ولم تهنأ بعطلات السبت وقت راحتها، كل ذلك في سبيل تغيير سلوك هذا الطالب المشاغب إلى الأفضل.
والآن ماذا كان تأثير سلوك المعلمة على التلميذ؟
إن سلوك المعلمة لم يؤثر على التلميذ نيل فقط، إنما أثر على جميع الناس المحيطين به، فابنته كارما نالت الدكتوراه في علم الوراثة وهي أستاذة في جامعة "إموري"، أما المعلمة غرادي ذات القلب الكبير فقد كان بإمكانها أن تقول إن هذا الولد فاسد الأخلاق، ولا سبيل إلى تقويمه، لكنها لا شك حوّلت حياة الكثير من الأطفال إلى الأفضل من خلال اتباع الأسلوب البسيط.
ليت الكويت تُعيد صياغة أساليب التعليم لديها، وكمثال على تردي مستوى التعليم لدينا قول المعلم للطلاب "سأتحدث عن الدرس مرة واحدة فقط"، وهو ما يدفع كثيراً من طلابنا إلى الاستعانة بالدروس الخصوصية.
فيا حسرتاه على نظامنا التعليمي، ومخرجاته الضعيفة، وهنا نحتاج إلى تقييم المعلمين حتى نغربل الضعيف منهم، ونعيد تأهيله، ثم نعمل على رفع رواتب المعلمين، لأن لهم تأثيراً كبيراً في تطوير المجتمع، فالعملة الدولية حالياً ليست الدولار والذهب، إنما مخرجات التعليم ذات الكفاءة.
ينبغي تشجيع الطلاب على القراءة حتى يتحسن سلوكهم العام، فهناك مستوى عال من العنف بين الطلاب، أو المجتمع، فالقراءة لها تأثير كبير في تهذيب سلوك الإنسان.
[email protected]