شفافيات
تعييني بعد تخرجي من الدراسات العليا اذ تخصصت بمناهج وطرق تدريس.
هذا التعيين له قصة عميقة تكشف من دون قصد اجندة التخلف التوظيفي في وزارة التربية، فقد حملت اوراقي ومستنداتي التي حصلت عليها من كلية التربية في جامعة عين شمس المصرية، بعد سبع سنوات دراسة في الماجستير فقط، وذهبت الى ادارة الوظائف في وزارة التربية، انذاك، حيث استقبلني موظف ادارة الوظائف، وبدا عليه محدودية الثقافة العامة، وقرر من خلال موقفه الشخصي، او من خلال أجندة العمل في الوزارة، ان اعود الى مقر عملي الذي كنت فيه سابقاً قبل البعثة.
مقر عملي كان يومها في مدرسة الشامية المتوسطة للبنين؛ مدرساً للتربية الاسلامية؛ فاستنكرت هذا التعيين اشد الاستنكار؛ وقررت في داخلي اذا استمر الوضع هكذا تقديم استقالتي من وزارة التربية؛ افبعد سبع سنوات تعليمية عليا حصلت فيها على دبلومي تعليم عام وخاص، وماجستير في المناهج، وطرق تدريس، وقدمت رسالة مشرفة هي الاولى في العالم الاسلامي، كما قال لي اساتذة عين شمس؛ افبعد كل هذا اعود الى تدريس اطفال؛او لنقل علميا؛ ادرس تلاميذ المرحلة المتوسطة؟
امر مستنكر عالميا بالفعل؛ وهدر مالي وثقافي واضح كالشمس؛ فماذا استفادت وزارة التربية من الصرف على ابتعاثي للتعليم العالي، وقد كان مؤهلي الجامعي الليسانس كافياً للتدريس في المرحلة المتوسطة والثانوية ايضا؟
بالصدفة الجميلة، وبينما انا مستغرق في همي العظيم، والصدمة المعنوية الكبيرة، اذ بي اقابل معالي الدكتور رشيد الحمد وزير التربية الاسبق، وكان وقتها مسؤولاً تعليمياً في الوزارة قبل ان يصبح وزيراً؛ وهو كان استاذي في الجيولوجيا في المرحلة الثانوية في كيفان.
قابلته بالصدفة في ممر في الوزارة، فاستقبلني بالترحيب لانه يتذكرني؛ وسألني على الفور وكأنه أحس بهمومي في وجهي: ماذا تفعل هنا يا اخ حمود؟ فقلت له حكايتي فاستدار للخلف من فوره، وقال: تعال معي.
اخذني الى وكيلة التربية سعاد الرفاعي، يحفظها الله؛ وكانت واقفة في مكتبها ،وقال لها بجميل العبارة: "هذا تلميذي النجيب حمود الحطاب؛اسمعي من فضلك سبب وجوده الان في الوزارة"؛ فشرحت لام هذيل كل ما قلته عن حصولي على المؤهل العالي الماجستير وقتها، وان ادارة الوظائف تريد اعادتي لتدرس تربية اسلامية للمرحلة المتوسطة، فاستشاطت سعاد غضبا، والنرفزة بدت عليها واضحة، وانفجرت قائلة: "شلون"؟
وقالت: "ابعد كل هذه الرحلة التعليمية الطويلة يعود للوراء مدرساً في مدرسة"؟
اضافت: "من يقول هذا الكلام"؟ واردفت: "هذا عندنا بوزارة التربية؟ معقولة هذا الكلام"؛ وجلست الى مكتبها وكسرت قرار ذلك الموظف؛ بل كسرت تاريخاً من التخلف العلمي والوظيفي، الذي تسير عليه وزارة التربية؛ وكتبت لي كتاباً الى مدير ادارة الوظائف وقتها، بتعييني موجها للتربية الاسلامية؛ وقالت: "خذ المرحلة الثانوية، ووجه مدرسيها، وسنستفيد منك في تطوير التعليم الديني".
مدهش جدا ما فعلته الوكيلة الشجاعة الهمام سعاد الرفاعي؛ ويدل على عمق فهم الوكيلة السيدة سعاد السيد رجب الرفاعي، التي كان معروفاً عنها بالمرأة الحديدية.
ومن هذه الانطلاقة المباركة انطلقت موجها اول، ثم موجها عاما للتربية الاسلامية، واكملت الدكتوراه اثناء ذلك.
وما حصل معي، واشد من ذلك ما حصل نفسه مع ابنتي حالياً حين حصلت على شهادة الدكتوراه، وليس الماجستير مثلي؛ وحصلت عليها من ارقى جامعات بريطانيا(جامعة شفيلد)؛ وتغربت هناك سبع سنوات هي وزوجها وعيالها؛ وقد قال لها مسؤولو وزارة التربية، لما عادت بالدكتوراه في التربية كما قالت لي آنذاك: "تعود الى مقر عملها السابق مدرسة في المرحلة الابتدائية"!
ونفذت ابنتي القرار، وعادت لتدرس يوميا في الابتدائي، ما يشبه دادا... بابا... ماما، التي كانت مناهجنا يوما؛ ومو ناقص غير ان وزارة التربية تطلب منها التفرغ للبيع في مقصف المدرسة!
فلا تحزني يابنتي لهذا الهدر المالي الذي صرفتِه على نفسك وعيالك طيلة فترة دراستك للدكتوراه، ولا تحزني لهذا الهدر العلمي والثقافي العظيم الذي تخسره وزارة التربية بهدر شهادتك الدكتوراه، التي توجتِ بها مشوار تعليمك.
لا تحزني على هذا التخلف والخسارة؛ فسعاد ليست وكيلة وزارة التربية حالياً مع احترامنا الودي للجميع.
وللموضوع تكملة تحمل الهموم التعليمية بوزن الجبال.
واقترح عليك يا ابنتي الغالية تقديم استقالتك فورا؛ فكرامتك اولى من البقاء في هذا الأسر العلمي.
كاتب كويتي