نستمع أحياناً لشكوى أحدهم ويبدع في عرضها، لما يمتلكه من وسائل وقدرات إقناعية، كالبكاء وتفسير ما قيل حسب ما يريد وهكذا، ولكن هل حاولنا التأكد قبل التفاعل مع هذه الشكوى أن نتبيّن من هو الجلاد الحقيقي، ومن هي الضحية؟
قد يبدع البعض من الناس في تحويل القضية لصالحه من خلال قدراته الإقناعية بحيث يظن السامع أن هذا الشاكي ضحية مسكينة مما يدعو للتعاطف معه، ولا يدري هذا السامع أن ضحيته هذه، قد تكون هي الجلاد القاسي في تلك القضية، فكم من جلاد اشتكى وبكى وتباكى، ومثل دور الضحية المسكين بينما هو في الحقيقة داهية بشرية ومدمر خطير، بينما التزم بعض الضحايا الصمت، ليظن الآخرون أنه جلاد قاس، ليس كل من سكت جلادا وليس كل من تكلم ضحية، إن الانتشار الكبير لوسائل التواصل الاجتماعي واستخدام المجتمع لها بسهولة ساعد على نشر الظلم بطريقة عكسية، فقد أظهر بعض المجرمين في صورة الضحايا، بينما خاف بعض الضحايا من التشهير فالتزم الصمت فضاعت قضاياه، كما أن لبعض الجلادين مظهراً خارجياً يوحي بالسلام والبراءة، مما يدفع المجتمع للتعاطف معه، بينما لبعض الضحايا سمات قوية وشخصية متماسكة مما يجعله مثار شك باستحقاقيته لمسمى جلاد، فليس كل من يدعي البراءة بريئا، وليس كل من ظهرت قوة شخصيته ظالما.
وهناك الكثير من البشر يرفضون أي مظهر للنعمة رغبة في كسب تعاطف الناس معهم، وحصولهم على لقب مسكين، بينما ثمة نفوس عزيزة حتى لو كسرت مرات، آثرت الاحتفاظ بقوتها وتماسكها، ليظن الآخرون أنها بلا مشاعر، لا يا سادة فليس كل قوي ظالما، وليس كل ضعيف مظلوما، فالقضية التي تلقى على مسامعنا ذات أبعاد كثيرة، جاني ومجني عليه، بل قد يكون الاثنان مجنياً عليهما، بسبب الظرف الذي وقعت فيه تلك القضية، وهي رسالة لكل مسؤول أو موكل بالحكم على قضية ما، أن يتحرى الدقة قبل اتخاذ القرار والاستماع لجميع أطراف القضية، والتأكد من الحالة المزاجية لأطراف القضية أثناء وقوع القضية والظرف المصاحب للقضية، قبل أن يتخذ حكماً قاسية فينشأ قضية من قضية، فالكل يسمّي نفسه مظلوما إلى أن أصبحت هذه الكلمة مستهلكة وفرّغت من محتواها الأصلي، وكل شخص يرى نفسه كاملا وبعيدا عن الخطأ إلا من رحم ربي، لذلك فالمؤمن مرآة أخيه المؤمن وعليه أن يناقش أي قضية بكامل وقائعها ولا يندفع للتعاطف مع أوّل من اشتكى.
[email protected]