المناهج الدراسية كانت ومازالت أسطوانة كل وزير جديد يأتي إلى وزارة التربية، قبل الفصل عن وزارة التعليم العالي اخيراً، فالمناهج يتيمة سياسياً، بمعنى ليس لديها واللي جريء يوجه ويتخذ القرار، لذلك لم يطرأ التعديل والتطوير للمناهج!
كل وزير جاء لوزارة التربية، بغض النظر عن توجهاته وخلفياته العلمية وانتماءاته، لم يقدم رؤية متكاملة لإصلاح التعليم العام والمناهج خصوصا، فقد ظلت المناهج ضحية اجتهادات وتجاذبات وصراعات وتجارب!
النائب الراحل الدكتور أحمد الربعي وزير التربية والتعليم العالي الاسبق، أراد تعديل الاعوجاج وإصلاح المناهج، لكنه لم يفلح بسبب الضغوط المرتبطة بالتعليم العام ككل، والمناهج تحديداً، من داخل الوزارة وخارجها!
استعان الدكتور الربعي بلجنة من نخب أدبية، وهي على قيد الحياة لله الحمد، لمراجعة كتاب مدرسي عن اللغة العربية وربما مادة أخرى، وكانت ردة فعل بعض أعضاء اللجنة التحفظ على صورة الغلاف التي كانت دموية الشكل، وكذلك المحتوى الذي يثير الفتن، وليس التسامح!
شرح أعضاء اللجنة وجهة نظرهم، وهم شخصيات لها بصمات علمية وأدبية، لكن الوزير الربعي شرح بدوره أنه تحت ضغط، وتمنى تجاوز بعض الأمور، لكن السادة أعضاء اللجنة رفضوا المساومة والتنازل، وانتهى العمل من دون انجاز المهمة!
التصريحات الصاخبة عن المناهج ممكنة جداً وسهلة، فبهرجة الحديث أصبحت مادة إنشاء لغوية، كلما جاء وزير من بيت التعليم، أو خارجه، او متخصص، أو حديث في مجاله، لكن العتب بهذه المناسبة فهو عتب سياسي على رئيس مجلس الوزراء الذي يسمح للوزراء بتحويل وزاراتهم الى حقول تجارب على حساب المصلحة العامة!
قبل فترة، وقّعت شبكة من الذين غرر بهم من طلبة الثانوية في الانتساب لجماعة إرهابية (داعش)، وقد كانت المبادرة من وزارة الداخلية التي خاطبت وزارة التربية بهذا الشأن للتدقيق على المناهج والنشاط المدرسي، الذي خرج عن المقبول، والمألوف، والمنشود علمياً، وتربوياً، وأمنياً!
وزارة التربية لم تنشر ردها على خطاب وزارة الداخلية، ربما لأنها لا ترغب بالاعتراف بالتقصير، وبفضيحة تعليمية طالها الإرهاب الفكري، والجماعات الإرهابية بين طلبة الثانوية!
يفترض أن يتم تشكيل لجنة مشتركة بين وزارتي التربية والتعليم العالي، بمشاركة نخب فكرية وإعلامية، محايدة لمراجعة مناهج التعليم العام، وكذلك مناهج كلية الشريعة، وسلوكيات بعض الأساتذة الذين يفضلون الغلو في الدين، والتشدد، والتزمت الديني من أجل الخروج بتصور علمي، ومنهج عمل مهني، ليخضع لها الطلبة والأساتذة أيضاً للتنفيذ، وليس للمراجعة والتسويف!
الكويت، للأسف الشديد، ذات نسيج اجتماعي ووطني ضعيف بسبب توغل التيار الديني المتشدد فيها، وفزع القرار الحكومي من مواجهة التيار المتزمت، وتأثيره في المجتمع والمدارس، وانتشار العنف الفكري في وسائل التواصل الاجتماعي!
من المؤسف جداً أن الأفكار الأكثر تخلفاً وعنفاً أصبحت الاكثر انتشاراً في المجتمع والمدارس، والكليات والجامعات بسبب مناهج يتيمة سياسياً، ورقابة ضعيفة، وقرارات متواضعة!