لا أحد يستطيع إنكار الدور الكبير الذي تؤديه وسائل التواصل الاجتماعي في نقل الأخبار الاجتماعية، ورسائل التهاني والتعازي، والمشاعر بأكملها، سواء كتابيا أو بتفاعلات إلكترونية اعتمدتها بعض تلك التطبيقات، أو بصور صامتة وناطقة، مما أضعف روح الزيارات الحية التي تكون بين العائلات، سواء كانت يومية أو أسبوعية أو شهرية، واكتفى الأغلب بالمتابعة البعيدة للحالات الخاصة التي يشاركها الشخص مع متابعيه، أيا كانت قرابتهم.
إن شبه الغياب للزيارات الحية استثار حفيظة المحافظين في المجتمع مما جعلها مدار نقاش لفترة طويلة، وعادة مزعجة انتهجها بعض الأشخاص، واكتفى بتقنية التصوير والمحادثة الالكترونية التي اختارها، ونبذ منها من لا يشاء، مما أشعل فتيل الضيق والخذلان عند الكثير، بل وتغير الأماكن والمسميات.
لم تتوقف تقنية التصوير عند هذا الحد، بل تعدته إلى مراحل مضايقة أعلى وأعمق، فاللقاءات الحية التي ناب عنها التصوير قبل أعوام ها هي تعود بسبب التصوير، فقد يزور الزائر ليس من أجل صلة رحم أو عيادة مريض، بل لالتقاط صورة يشاركها مع أقرانه، تثبت بره وعلاقاته الاجتماعية، فهو أو هي يأتي سريع الخطأ متسربلاً بالصمت، همه الوحيد تلك الصورة التي يبذل جهده في إخراجها للمجتمع، والتي تثبت وجوده الاجتماعي، بينما يتجاهل أي جهد في سبيل إخراج اللحظة الحية التي يقضيها مع من يزورهم.
إن الرسالة الرخيصة التي أصبحت توصلها تلك الصور، جعلت أولئك ممن كانوا ينادون بضرورة الزيارات الحية يكرهونها، ويكفون عن ذلك النداء، مما أشعرهم بالخذلان والخيبة، فالقيمة الأساسية للزيارة لم تعد للأشخاص، بل أصبحت للصور والمتابعين، فالزيارات التي قلت بشكل مفاجئ عادت، لكن عادت باهتة خالية من المشاعر، كل لحظة فيها تضيع وتفرغ من مشاعرها من أجل التقاط صورة، لمن هم خارج الزيارة، ليأتي السؤال الموجع: أين قدر وقيمة أولئك الموجودين في الزيارة، هل هي من أجلهم أم من أجل متابعين ينتظرون الصورة الفتاكة؟
لم تعد الصورة توثيق للحظاتها الجميلة، بل أصبحت توثيقا لمناقبنا ومآثرنا، والتي وجب علينا أن نخفي بعضها كي لا تغيب مشاعرنا فيها، أو تفقد إخلاصنا الذي نسعى عبره إلى قبول الله لنا.
ولم تخفِ الصور الموقتة مشاعرنا فقط، وتزيد من حدة الخيبة أيضا، بل تعدت ذلك للتباهي، واستقطاب الهدايا من خلال يمارسه بعض الأشخاص لتصوير كل ما يأتيهم من هدايا، بعضهم بنية الشكر وبعضهم بنية لفت نظر من لم يأت، كي يأتي، ويدلي بدلوه في بئر الهدايا التي خرج بعضها من معنى التقدير إلى معنى التباهي.
التصوير وإن تحول عادة ومتعة، إلا أن الإكثار من الشيء قد ينقلب إلى ضده، فرفقا ببعضنا، ولنتعب على إخراج المشاعر، وتنسيقها، بدلاً من أن نتعب على إخراج الصور وتنسيقها، فبعضها تمكث يوما وتذهب، لكن بعض المشاعر قد تبقى إلى الأبد، وتعمق علاقاتنا في الدنيا، وتخلق لنا فرصة لقاء في جنة الخلد، فالمهم هو الشخص الذي حثثنا الخطوة له، وليس المتابعين الذين يملأون وقت فراغهم بمتابعتنا وتتبع أخبارنا. كم من صورة جلبت مرضاً، وكم هدمت علاقة، وكم من صورة أججت مشاعر الحسد، وكم كسرت خاطراً، لكن الشعور الصادق يجبر، ويعمق، ويشفي نفوسا عليلة من مرض الوحدة، وكم من كلمة قيلت فعالجت، فالإنسان يأنس بقرب الإنسان وحديثه، وليس بتصويره البعيد وجفائه.
كاتبة كويتية
[email protected]