شفافيات
قلت في المقالة السابقة إننا أمة قد تباعد بينها وبين دينها زمنا، ولغة، فأصبحنا مسلمين بالجغرافيا التي تجمعنا، والانتماء المظهري الذي نمارسه عموماً، لكن بشكل أجوف يخلو من العمق والثأثر والتأثير.
ولقد دخلت في الجسد الاسلامي عوامل التحلل في القيم والمبادىء، والثقافة، والتوجهات المتنوعة، ومنذ زمن بعيد؛ وأكلنا من الأمم المهيمنة على العالم يوم أكل الزمن قوة انتمائنا العملي للإسلام والقرآن؛ وضاعت شخصيتنا؛ وفقدنا رسالتنا الحضارية في الحياة.
ولن نعود إلى ركوب قطار الحياة الحضارية من دون منهج يخصنا، له من المميزات، الموضوعية والحضارية والعلمية، ما يزكينا لاحتلال مكان القيادة للبشرية من جديد. ولا منهج أصلح لإصلاح حالنا، وحال البشر، مثل منهج الله خالق البشر، وهو القرآن الكريم.
فكيف السبيل إلى العودة لفهم منهج القرآن الكريم، والارتقاء به بين البشر، وصعود سلم الريادة للعالم بحق، (كنتم خير أمة أخرجت للناس؛ تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله)، ويأتي معنى"كنتم" بمعنى التقرير ويعني: أنتم خير أمة أخرجت للناس حال كونكم كذا، وكذا. والعودة للإسلام الحياتي العملي كمنهج حياة فهماً وممارسة في تصوري يحتاج إلى قواعد بناء تكون من بناة على مستوى من الفكر، والثقافة، والعلم الديني العميق، والتعددية الثقافية والفكرية.
ويحتاج إلى إرادة قوية جبارة لانفاذة؛ كما يحتاج إلى دولة تتبنى هذا الاتجاه، وتقوده بحكمة وروية، وطول نفس،أو يحتاج إلى جماعة مؤمنة ومتجردة تماماً تؤمن بالعودة إلى الإسلام، بوعي وتخطيط متزن، وتعمل بصبر وروية في وضح النهار، لوضع أحجار الأساس لهذا البناء.
كما يحتاج العودة إلى القرآن، فهماً وتطبيقاً، وممارسة منهج وأرضية ومنطلق نحو الأهداف، العامة والمرحلية، نحو البناء باتجاهات عدة، وأولها بناء البناة، وتكوينهم العلمي والعملي للقيادة بذاتية واعية بكفايات متنوعة، لها القناعات الأكيدة بما تعمل من أجله، وبكفاءات وبروح متجردة أولا، ثم تقوم هذه الهيئة المرشدة بعمليات بناء الإنسان ومجتمعه البشري العالمي الإسلامي الحضاري الرائد في سلوكه، وعلمه، وإنسانيته، وحضاريته.
ولكي نفهم القرآن لا بد من ممارسات تطبيقية حياتية تساعد على فهمه، ففهم القرآن لا يأتي من فراغ؛ فهو ليس قصة غامضة تحتاج إلى شرح غموضها؛ كما أنه ليس قصيدة شعرية تشرح وحشية مفرداتها وكلماتها، فتفهم مجردة. وما فهم الأولون الإسلام إلا من خلال الممارسة الحياتية الكاملة للدين. ولقد قمت باختصار ما أود قوله، كمقدمة لما أريد الكتابة عنه مباشرة. وإلى اللقاء في التكملة إن شاء الله.
كاتب كويتي