الخميس 30 أبريل 2026
31°C weather icon
logo-icon
تم نسخ الرابط بنجاح
حوار حادّ بين الأفاعي وبَيني
play icon
كل الآراء

حوار حادّ بين الأفاعي وبَيني

Time
الثلاثاء 27 مايو 2025
د.جورج شبلي

قرّرَ بعضُ الأفاعي طلبَ مقابلةٍ معي، وبإلحاح، فما كانَ لي إلّا الموافقة.

بعدَ مراسمِ الاستقبال، فتحَ هؤلاءِ العَواتي، عليَّ، النّار، مستهلِّينَ هجومَهم بأنّ ما كتبتُه مُسَخِّراً عالَمَهم، كان خطأً من الوجهةِ التّطبيقيّة، ويجبُ الطَّعنُ به.

وصاحوا في وجهي: "ما هذه الشناعةُ، ومَنْ مَلَّكَكَ لتطغى علينا"؟

وكأنَّ شَرَهي الى التَّنكيلِ بفئةٍ من النّاس تفتقرُ الى الضّمير، وتميلُ الى الخداع والمراوغة، ضَلَّ قَصدَه، وكأنّني ما رميتُ صائباً، لأَتلقّى من الأفاعي تهمةً مفادُها أنا ظالِمٌ. عذرا، لأنني لم أبدأ النصّ/‏ المحاكمةَ بمضمونِ الشّكوى، ليجلسَ القارئُ بحضرتِهِ، وهكذا، أنجو من تَعَجُّلِهِ بِما لا يخطرُ في بال. منذُ زمنٍ، أطلقتُ على النَمّامين المُتنمِّرين، لا سيّما المتسلِّطين عنوةً على مصير النّاس، لقبَ "أولاد الأفاعي"، استنادا الى ما يبثّونهُ من سمومٍ قاتلةٍ في جسمِ المجتمعِ المُتهالِك، وعلى كلّ صعيد. وقد صُلِيتُ، كما الغالبيّة، باستغلالِ المخادِعين، وبفسادِ المُنتَهِزين، وبتسلّطِ المُستَقوين، فانفجرَ غضبي، ووصفتُهم بما وصفت، فثارَت ثائرةُ الأفاعي، واعتبروني مُنتَهِكًا خصوصيَّتَهم، ووجدوا، في فِعلَتي تلك، هفوةً، وحقدوا عليَّ الى نهاياتِ الدّهور.

أمامَ ثورةِ الأفاعي لم تأخذْني النّدامةُ، وأَحكمتُ هدوءَ نفسي، ولم أُرِدْ، في المقابلة، أن أُقَبِّلَ أيديَ الأفاعي، ولَو حاولتُ لَمُنِعت، حتما.

أمّا الضّيوفُ الذين كادَت مرارتُهم تنفجرُ غَيظًا، منّي، فلم يتورَّعوا عن كَيلِ الازدراءِ المُهين، وكأنّهم أربابُ هذه الصّناعة.

لقد أنكروا، وبأدقِّ الأساليب، ما أفصحتُ عنه من صفاتٍ متقاربةٍ بين الأفاعي وبعضِ البشر. قالوا: "لو سلَّمنا، جَدَلًا بأنّ السُمَّ ثابتٌ فينا، فكيفَ يُنزَعُ من أنيابِنا ليُزرَعَ في ذواتِ الشياطينِ المُتَّكِئينَ على رِقابِ الناس، في مجتمعكم"؟

وكأنّ الأفاعي، بمداخلتِهم التي تقذفُ حِمَما مُشَظِّية، يريدونَ القَول: "كانَ حريَّا بكَ أن تَلزَمَ السّكوت".

واستمرَّ الأفاعي، عظيمو العصبيّةِ على قضيَّتِهم، في المواجهةِ الشَّرِسة، قادِحينَ الضّغينةَ، والعداوةَ، والشرّ، مُحتَكِمينَ الى ذرائعَ استَقوَوا بها، وكأنّهم تقمّصوا أرسطو، قالوا: "مِن أين لنا شراسةُ المُستَقوين، في عالَمِكم، وتسلُّطُهم، وأنانيّتُهم المَقيتة، وإذلالُهم لبني جنسِهم بالتّنكيلِ والاستغلال"؟

ومن حقِّ الأفاعي، رَفضاً لِما أُشيعَ عن المشتَرَك بين عالَمَي الحيوان والإنسان، التّأكيدُ على أنّ هؤلاءِ الذين أرغموا الشَّعبَ على أن يعانيَ مُرَّ الشدَّةِ والهَول، كوَّنوا حيثيّةً همجيّةً، لا حسَّ فيها ولا روح، مُستَمَدَّةً من نفسيّةٍ سوداء، جُبِلَ فيها الظّلم، والفساد، والقهر، وكأنّها أتَت من عصورِ الرقِّ والبرابرة، ناحِرةً مبادئَ الحريّةِ والكرامةِ والاحترام، ما عزلَ أصحابَها عن مبادئ الإنسانيّة، ومراعاةِ شُعور الغَيرِ التزاما بالقِيَمِ الأخلاقيّة، وبأُصولِ التّعاطي.

في الواقع، كنتُ بين فَكَّي القلق، فدِفاعي ليسَ إنجازاً ناجحاً ينبغي الاحتفالُ به، ولو اعتبرَني البعضُ متمتِّعاً بذكاءِ القريحة، ومتميِّزاً ببراعةٍ في البلاغةِ لا يُستَصغَرُ أمرُها، لكنَّ تجربتي مع الأفاعي، في تركيزي على الجانبِ المُظلمِ من شخصيّةِ بعض الناس، لا سيّما المُفسِدين، تضمَّنَت فشلًا ستراتيجياً يجبُ الاعترافُ به، وعدمُ كتمانِه.

إنّ الحماسةَ في تنسيبِ البشرِ الى الأفاعي، وجَعلِهم من نسلِهم، تبقى، بحيثيّتِها النَّسجيّة، خطأً تَماثُلياً اعتبرَه الأفاعي موقفاً عِدائياً أَوجَبَ انكبابَهم عليَّ برَفضٍ عاصِف، واتّهامي بأذيّتِهم بأسلوبٍ يَنخرُ العظام.

إنّ زلزالي الذي قصفَ النّاسَ الدجّالينَ، وبعضَ أولياءِ الشّأنِ، وحامِلي الألقاب زُوراً، وفضحَ حقيقتَهم الباهتة، قد غرزَ في كيانِهم المريضِ ارتعاشاتٍ اصطَكَّت لها رُكَبُهم.

لكنّ هذا الزلزالَ، في الآنِ نفسِه، وضعَني في مواجهةٍ حادةٍ، مع الأفاعي مُصْفَرّي السُّحنات، والذين نثروا أهاجيَهم، فيَّ، نَثرَ الشَّوك، ومن دونِ تَحَفُّظ، وقد عصَرَ هجاؤُهم حِصرِمةً في عينِ الحنظل.

وبعد، لقد ذهبتُ، عَمداً، وعن سابقِ تصميم، الى قَدحِ الجانبِ القاتِمِ من كيانِ النّاس، والذي يخفي شراً حَوَّلَ عُمرَ "الأَوادِم" الآمِنين مواسمَ أَلغامٍ، وأحزانٍ، وأَغلالٍ، ويأس، حتى باتَت جراحُهم تَلحَسُ من دَمِهم.

أمّا الأفاعي، هؤلاءِ الذين كنتُ، بدُفوعي أمامَهم، فاتِرَ التّأثير، فلم أُرِدْ أن أصنعَ من عُودي، معهم، رِماحاً، وكأنّه مَقطوفٌ من جبالِ الصّنوبر البَرّي، بل حَسَّنتُ ديباجتي، وأسلوبي، وتقدَّمتُ، منهم، باعتذارٍ لم يَعتَدْ عليهِ سطحُ لِساني. إلّا أنّني وجدتُ في الاعتذارِ المَليحِ طلَّةً تتصيَّدُ إِمتاعَهم، وتستدرجُ قبولَهم، وتبثُّ فيهم شعورا بالرِّضا، وذلك أَجدى، معهم، من إشعالِ حربِ "طروادة" خارجَ أساطيرِ "الإِلياذة".

أستاذ جامعي لبناني

آخر الأخبار