شفافيات
قصصت عليكم قصة قصيرة جداً، مفادها فهم بيكاسوا لمعنى ثمن الخبرة التراكمية؛ فارجعوا لها إن شئتم.
عندما طلبت تلك الفتاة في القصة من بيكاسوا ان يبيعها قصاصة الورق التي رسم عليها فنجاناً تسيل منه قطرة قهوة، عزت عليه رسمته، رغم انه كان ينوي تقطيعها، فرفع الثمن فيها عاليا جدا. ولقد رسمها في دقائق صنع فنجان القهوة له كما بدى، ورسمها على قصاصة من ورق، ولم يكن ينوي المتاجرة بها؛ بل كان يتسلى برسم ذلك الفنجان من خلال خبرته العميقة بفن الرسم.
وعندما ابدت الفتاة استغرابها من الثمن المرتفع جدا لقصاصة الورق تلك، اعطاها عمقاً في الإجابة، وبمعنى تربوي، ولم يكن بيكاسو استاذاً متخصصاً في التربية؛ لكنه نطق بها بعمق قائلا ان الدقائق القليلة التي خط بها تلك الرسم هي الخبرة التعليمية، او الخبرة التربوية، او الخبرة المعلمة، التي دفع حياته الماضية كلها ثمنا لها ليتعلم كيف يرسم مثل هذه الرسمة، فيعرف الناس ان الذي رسمها هو بيكاسوا.
اذاً هي في عميق فكر بيكاسوا تلك الخبرات الثلاث، التي نعرفها بهذا الشكل؛ وقلت انها خبرات مُعلِّمة خبرات تربي؛خبرات تعلم؛ انها ايضا التراكمية التخصصية؛ التراكمية الثقافية؛ التراكمية المُتعلمة، وهي ايضا التراكمية المُعَلَّمة. وانتبهوا يا حضرات من التشكيل الاملائي على الكلمات المكررة؛فلها معان مختلفة.
فأين الخبرات التراكمية في تعليمنا التي جعلت طالب الثانوي الخريج، يحصل على مئة في المئة في الامتحان النهائي للمرحلة الثانوية؟
ثم ما الخبرات التراكمية التي علمت بيكاسوا كي يصبح بيكاسوا؛ يفضل تمزيق نتاج خبرته اذا لم يحترم ثمنها؛ وقد قال عن ثمنها انه حياته كلها؟
وسنعود، إن شاء الله، إلى محاسبة بيكاسوا، ومحاسبة تراكميات طلاب الثانوية التي "تفوقت" على خبرات بيكاسوا التعليمية، والمعلمة، والمثقفة، والتخصصية.
وبودي أن اسأل قبل نهاية المقالة: كم استاذاً فناناً عظيماً، وخبيراً، وعميقاً، ساهم في صنع تراكمية بيكاسوا، التي لا تعادل قصاصة ورق فيها تلك الاثمان الخيالية؟
طلابنا لا يجدون وظائف بعد الثانوية، رغم مئة في المئة... وقد لاتقبل بهم الجامعات بعد اختبارات القبول.
كاتب كويتي