يتمَدمَكُ النّظام الديمقراطي على الحريّات، ومن دون الحريّة، لا ترميم لآليّة العطش إلى كرامة الإنسان، فتترسّخ، في المقابل، أقبية القهر، والقمع، وتسود جولاتُ التّطويع.
إنّ الإنسان الذي يفقد حريّته، هو الكائنُ المُكبَّل بالخوف، أو هو كائنٌ بيولوجيّ يؤدّي، تماماً، ما يستطيعه غيرُه من الكائنات الحيّة، من دون زيادةٍ ولا نقصان.
وتطفو إشكاليّةٌ على سطح المعالجة، تسألُ: ما الفائدةُ من أن يتَمَتّع الإنسان بالعقل، وبالرويّة، إذا كان عاجزاً عن اتّخاذ قراراته، وتحديد مواقفه، وإبداء رأيه، وإذا وُضِعَت الحريّة تحت المقصلة، أوليس صحيحاً أنّ اتّخاذ أيّ قرار، سوف تُمليهِ فوّهةُ الاستقواء، والاستبداد، والتسلّط، وهذه هي السُّموم الحقيقية التي تدمّر كيان الفرد والجَماعة؟
الحريّة تأبى التّدجين، والقمع، وفرض الرأي المُعَلَّب، وترفضُ أن تنتهي صلاحيّة الكرامة الإنسانيّة، إذا تَمَّ عَزلُ الإنسان عن حقِّه في حياةٍ حُرّة. فالحريّة ليسَت مفهوماً مائعاً، إنّما هي فلسفةُ حضور، وبقاء، وأنّ الانتماءَ إليها هو فِعلُ استقلال، وحقٌّ هو ليس مِنّةً من أحد.
إنّ عودةً الى تاريخ النّاس، تؤكّدُ أنّ الحريّةَ أُدرِجَت في هالة التّقديس، بحيثُ اشتعلَت صراعاتٌ لأجلها، وسقط ضحايا في سبيلها، وأعلنَتها الثّوراتُ ستراتيجيّةَ تعزيزٍ للوجود الاجتماعي، والأخلاقي، وشكّلَت منظومةً إيديولوجيّة تمَّ تنزيلُها في صلبِ الدّساتير.
إنّ فَهمَ الحريّة هو رأسُ المعرفة، فهي نمطُ حياة، وطموحٌ وجوديّ، وليسَت شعاراً يتلطّى، خلفَه، مَنْ يُطلِقون على أنفسهم أَلقاباً ذات تأثير وِقاري، لينالوا حظوةً بالتّصفيق والتّهليل من جماهير تُقَرِّظُ بلا وَعي، ما يُثبِتُ الإفلاس الفِكري.
لكنّ الأَلمعيّين الأفذاذ لا يُبطئون في العودة الى حقيقتهم، ليمارسوا أَشنعَ "تُحفات" كَبتِ الحريّة، والتّضييق على مندرجاتها، فأداؤهم ليس سوى ترجمانٍ لغرائزهم الموبوءة.
إذا كان النّاس، جميعهم، متساوين في الحقوق، وإِنْ تمايزوا في طاقاتهم، وفي درجات وعيِهم، فالتوازنُ في بينهم لا يحصل إلّا بتمتُّعهم المتكافئ في الحريّة التي تشكّل القاسم المشترك بينهم، وهو قاسمٌ عظيم الأهميّة.
من هنا، وجبَ أن تكون الحريّة سلاح الاعتدال، فإذا اعتنقَتها الجماعة، تُسقِطُ بها التطرّف، وقَمعَ الآخر، وإلغاءَه بالقتل، وتُلغي، في وسطِها، عوامل المصادمة. إنّ اعتناق الحريّة، مبدأً إنسانياً راقياً، أو اتّخاذها جنسيّة عالميّة، يمنع هيمنة جمود الشّعوب، وتقوقعها، واستحكام الاعتقادات الباطلة بها، ويجعل مجتمعاتها بيئاتٍ متمدّنة، متطوّرة، متغيّرة نحو الأفضل.
ولمّا كانت الحريّة معيار الإرادة، ولا لبس في ذلك، فلا إرادة حقيقية، وغير مشوَّهة، إلّا إذا كانت حرّة، ولا أعمال كبيرة، وإنتاج فِكريّ مرموق، إذا لم تكن الحريّةُ حافزًا على ذلك. فما الذي ينقصُ الأمّة، أيّ أمّة، التي يقيّدها الجهل، والتعصّب، والاستبداد، والرجعيّة، وهي أمّة متفرّقة ميتة، لكي تحقّق قفزة نوعية في طريق التمدّن، وتَنَكُّبِ الحضارة؟
لا السِّحر، والشّعوذة، ولا الخيوط الخفيّة، ولا الترّهات، فما هذه إلّا قبض الرّيح، لا يمكنها، أبداً، أن تشكّل الدواء النّاجع الذي يُيَسِّر العيش للناس، ويُنبِتُ الأمل في ذواتهم، ويرسّخُ إيمانهم بالآتي، أمّا ما يحمل في جوهرهِ شحنةً سامية تُتيح للشّعوب عُبورَ الانحطاط، والجَور، والسلاسل، وتُطلِق الصّوتَ من القهر، وتحرِّرُ الانطلاقَ من الأيدي المُكَبَّلة، فهي الحريّة، والحريّة وحدَها.
قالَ روسّو: إنّ الإنسان وُلِدَ لكي يكون حرّا...أضافَ كانط: ومسؤولاً، لأنّ الحرية نابعة من الإرادة العاقلة.
نعم، إنّ الحريّة ليسَت مُطلَقة، ولا منفَلتة، ولا تخضع لإرادة الغرائز، والرّغبات المشبوهة، وإلّا سادَت الفوضى، والانتهاكات، والهمجيّات، والعنف، والتعصّب المتحجّر، والتسلّط الهادم...وهذه كلُّها نَحرٌ لسيادة الحريّة، هذه السيادة التي تجعلُ الحريّةَ أقوى صدىً في ضمير النّاس، وأشدَّ تحريكاً لقِيَمِهم، وهزّاً لأعماقهم، وأغنى تأصيلاً لسلوكهم الإنساني النّبيل.
إنّ الحريّة يقظة، أو انتباه داخليّ، أو تبديد الانغلاق، وهي ليست نظاماً ذا بُنود، لأنّها تمنح الإنسان إمكانية السّؤال، وإمكانية الاختيار، وإمكانيّة الشكّ، وإمكانية إبداء الرّأي، وإمكانيّة التّمييز، لكنّ الأكثر بُروزاً هو أنّها تَعتقُ الفكر من أن يكون نُسخة. واستناداً، فالحريّة بريئة من منطق العجز، لأنها عامل نُهوض يُذكي حبَّ الحياة، ويحرّر الإنسان من التقوقع، ويُنشِّطُ في ذاته قِيَمَ الحقّ والعدالة والطُّموح والإبداع.
لقد أكّدت الفلسفة الماديّة على أن جوهر الذّات الإنسانية يرتكز على الحريّة والعقل، بمعنى أنّهما متلازمان، فلا حريّة حقيقية من دون وَعي، ولا قيمة للإدراك العقلي إذا لم يكن في خدمة الحرية، وكرامة الإنسان.
كاتب واستاذ جامعي لبناني