عام 1948، كتبت تحية كاريوكا مقالة تدعو فيها إلى جمع السلاح من أجل فلسطين.
لم تكن وزيرة، ولا مناضلة، ولا محلّلة في مركز أبحاث، كانت راقصة، مع ذلك، فهمت ما عجز اليوم كثير من السياسيين، والمثقفين، والفنانين عن إدراكه، وهو أن فلسطين ليست محلاً للحياد.
كاريوكا لم تكن استثناءً في زمانها. كان الفن العربي، آنذاك، امتداداً لوجدان الأمة، لا ناطقاً باسم المموّل، ولا متهرّباً من "الجدل السياسي" باسم "الدعوة للسلام".
كانت المطربة تنهي حفلها بنداء لفلسطين، والمسرحي يخصّص جزءاً من دخله لدعم الجيش العربي، والقصيدة عن فلسطين تُتلى في الميادين، لا تُهمّش بحجة أنها "لا تُعجب الخواجات".
كان الاصطفاف العربي شبه كامل، من حناجر عبدالوهاب وأم كلثوم، إلى مواقف يوسف وهبي، إلى بيانات فنانين وفنانات في تونس والمغرب ودمشق وبغداد.
ولم تكن الأنظمة العربية، آنذاك، على وفاق دائم، لكن فلسطين كانت البوصلة. لم نكن أمة ملائكة، لكننا كنّا أمة لا تُساوم على حدودها، ولا تهادن في كرامتها.
واليوم… تغيّر المشهد.
فلم تعد المهرجانات بوصلتها القضية، بل الشركات الراعية. ولم تعد الحفلات تُكرّم الشهداء، بل صار بعض الفنانين ناطقين غير رسميين باسم مكاتب التطبيع.
وصرنا نسمع عن تعاونات فنية مع "الآخر الإسرائيلي" بحجة "كسر الحواجز"، و"بناء الجسور"، وكأن ما بيننا وبينهم هو سوء تفاهم عابر، لا دماء أطفال تُسفك كل يوم.
تحية كاريوكا دعت إلى تسليح المقاوم، واليوم يُدعى المطبع إلى الغناء على أنقاضه.
عرفت كاريوكا أن الصمت خيانة. واليوم، كم من أكاديمي ومثقف وإعلامي يُتقن صنعة التبرير، ويحترف ارتداء قناع "التوازن"، ويبدع في تغليف التقارب مع العدو بالحكمة، بينما يساوي بين الجلاد والضحية.
الخطير في زماننا ليس غياب الصوت فقط، بل تزييف النبرة. أن يخرج فنان عربي على منصة دولية ليدين "العنف من الطرفين"، دون أن يجرؤ على قول "إسرائيل"، فهذا سقوط لا تُنقذه موهبة. وأن يتعاون منتج عربي مع نظرائه في تل أبيب، ثم يطلب من جمهوره "تفهّم السياق"، فذلك ليس فناً، بل تطبيع مغلّف بغلاف الإبداع.
تحية كاريوكا لم تكن ملاكاً، لكنها كانت صادقة. عاشت الفن كما هو، لكنها لم تخلع ضميرها عند باب المسرح. لم تنظر إلى فلسطين كقضية خاسرة، بل كاختبار إنساني لا يسقط بالتقادم.
واليوم، لا تأتي المكاسب من الدفاع عن فلسطين، بل من شيطنة المقاومة، وتبييض الاحتلال، وتلميع الرواية الصهيونية.
فمن يناصر فلسطين لا يُكافأ، لا بمنصب، ولا باتفاق، ولا بعقد تجاري، ولا باحتضان العواصم الغربية له، بل قد يُعاقب أو يُقصى أو يُشوَّه.
أما من يتماهى مع إسرائيل، فغالباً ما يُكافأ بالدعم، وبفتات النفوذ، وبمظاهر الرضا الغربي.
ومع ذلك، ما زال هناك من يتمسكون بفلسطين، لأنهم يرون في هذا الموقف ميزاناً للضمير الإنساني، لا ورقة في بورصة المصالح.
حتى لو افترضنا أن ربع هؤلاء مدفوعون بأجندات سياسية، وربعهم الآخر يبحث عن مكاسب جانبية، يبقى النصف الآخر صادقاً في دعمه لفلسطين… صادقاً لأنه لا ينتظر شيئًا.
أما المدافعون عن إسرائيل، فلا أحد منهم، حرفياً، يفعل ذلك بدافع إنساني صرف. لا أحد.
فيا ليت أصوات اليوم، القليلة في صدقها، تتّسع… وتجد في شجاعة الأمس قدوة، بدلًا من أولئك الذين باعوا ضمائرهم في بورصات النفوذ، ويساومون على الحقيقة تحت راية "الواقعية"، ويبدّلون مواقفهم كلما تغيّر المموّل، أو تبدّل المزاج الدولي.
زمنٌ كانت فيه الراقصة تصرخ "أنقذوا فلسطين"، أما اليوم… فبعض الكُتّاب لا يجرؤون حتى على لفظ اسمها.
Abdulaziz_anjri@