السبت 02 مايو 2026
27°C weather icon
logo-icon
تم نسخ الرابط بنجاح
العالم يتحول...لكن إلى أين؟
play icon
كل الآراء

العالم يتحول...لكن إلى أين؟

Time
السبت 26 يوليو 2025
د.سامي العدواني

يرى كثيرون أننا نعيش اليوم زمناً ملتهباً، تتسارع فيه التحولات على نحو لم يشهده العالم منذ تشكّل المادية الحديثة، بكل صلابتها ووحشيتها، التي قادت البشرية إلى جحيم الحربين العالميتين.

لكننا اليوم لا نقف على حافة حرب فقط، بل على حافة إعادة تشكيل كامل لوجه العالم، قِيَمه، ومؤسساته، وحدوده، وحتى معانيه الكبرى.

في خلفية هذا المشهد المزلزل، تمور الأرض تحت وطأة تمركزٍ رأسمالي غير مسبوق، فحفنة صغيرة لا تتعدى 1 في المئة من سكان الكوكب، تملك ما يعادل ملكية 90 في المئة من البشرية! شركات عابرة للقارات لم تعد تكتفي بصنع التكنولوجيا، بل باتت تصنع الإنسان، وتُعيد قولبة وعيه ومصيره. يقال إن ما نراه اليوم ليس سوى النسخة الأكثر تشوهاً من الوصفة القديمة التي طبخها الرئيسان ريغان وتاتشر عن تحرير السوق، وتقييد الدولة، وتسليع الإنسان.

الجديد، والذي يزيد الواقع فجاجة أن دهاقنة السوق، وأرباب المادية المتوحشة، كانوا يؤثرون في خيوط اللعبة من خلف الستار، لكنهم اليوم صاروا يتصدّرون المشهد السياسي بأنفسهم، نجد أمثلة صارخة على تصدرهم القرار الدولي وتحوّل"البزنس" حكماً، والمال قراراً، والرأسمالية أيديولوجيا حاكمة.

وفي ظل هذا التشوه الجذري، تتفسخ القيم، وتنهار المعايير الأخلاقية، في السياسة والعلاقات الدولية، وليس أدل على ذلك من لعبة الصفقات التي بلغت درجة من التبجح العلني، وحتى المضاربات في الأسهم باتت حلبة يمارس فيها بعض كبار الساسة نهباً مقنّناً، لا يُسائلهم أحد فيما تتدحرج حرية التعبير من منبر إلى زنزانة، ويُصادر الرأي الحر في مهد الديمقراطيات.

وما يُفاقم الخطر، هو صعود موجة عالمية من العنصرية والفاشية الجديدة، أحزاب متطرفة في معظم الدول الأوروبية، حتى في مملكة السويد، التي كان يقال عنها أنها تطبق مبادئ الإسلام أكثر من الدول الإسلامية، هي اليوم تحت وطأة تأثير الأصوات العنصرية، ونُسخ أكثر تطرفاً في الكيان الصهيوني المحتل، تعيد تدوير خطاب الكراهية والنبذ، وتؤسس لحقبة باردة في الضمير العالمي.

لقد بلغ العدوان على المنظومة الدولية ذروته من الانسحاب من اتفاقية باريس للمناخ، ومنظمة الصحة العالمية، إلى تقويض دور الأمم المتحدة، وحرمان وكالة الـ"أونروا" من أبسط التمويلات، بل حتى محكمة العدل الدولية تكبلت أمام شعوب تُباد.

في غزة، مذبحة مستمرة على مرأى ومسمع العالم، أكثر من 60 ألف شهيد، و115 ألف جريح، و18 ألف طفل طُمروا تحت الركام، تذكر الـ"يونيسيف" أنه في كل يوم يفنى فصل دراسي للأطفال في غزة ما يمثل 10في المئة من سكان القطاع الصغير.

ولولا الجغرافيا، لكان هذا الرقم يعني 33 مليون قتيل في أميركا في 18 شهراً فقط، 90 ألف طن من المتفجرات سُكبت على رؤوسهم، بمعدل 40 كيلوغراما لكل روح حيّة، كيف يُفسَّر هذا، كيف يُصمت عن هذا؟

هنا يطلّ السؤال الكبير: أين حَمَلَة القيم، أين الذين نظّروا علينا عن حقوق الإنسان والعدالة الدولية؟

هل سقط القناع، هل نحن متساوون حقًا أمام القانون، أم أن هناك أعراقاً مختارة وشعوباً يمكن حرقها دون رادع؟

آينشتاين، حين واجه النازية، قال كلمته الشهيرة: "القوة المنظمة لا تُجابه إلا بقوة منظمة"، وهذه مسؤوليّتنا اليوم كإنسانيين، وعاملين من أجل الإنسان، كحملة للأمل، كأصوات لا تزال تصدح في زمن الصمت.

كنا قبل عام، أكثر تفاؤلاً حين نُوقشت في "قمة المستقبل" قضايا إعادة هيكلة الأمم المتحدة، والعدالة الرقمية، وحوكمة النظام العالمي.

لكن سرعان ما اختنقت التطلعات تحت أنقاض الواقع، لم تفلح الجمعية العامة في إنفاذ قراراتها، ولا نجحت محكمة الجنايات الدولية في رفع يد الجلاد عن الضحية، أما سباق التسلح، فقد قفز من 1.4في المئة من الناتج العالمي عام 2022 إلى 2 في المئة في 2025.

وفيما تتساقط القيم، تصعد الثروات. تقرير "أوكسفام" يرصد تضاعف عدد المليارديرات من 256 في 2023 إلى 2,780 في 2024، وقفزت ثرواتهم من 13 إلى 15 تريليون دولار، فيما ملايين البشر يكافحون من أجل الرغيف والدواء.

إزاء كل هذه الوقائع، لا نملك ترف الحياد.

إنه عالم يُصنع من جديد، إما أن نكون شهوداً على حتفه أو نكون من صناع مجده!

خبير استدامة

[email protected]

آخر الأخبار