الكاردينال بييرباتيستا بيتسابالا وعلامات الحزن
- بعد زيارته القطاع وجّه عبر "السياسة" نداءً إلى بلد الإنسانية
- نحض الكويت على مواصلة رسالتها النبيلة... ليظل اسمها في نظر الإنسانية والعالم رمزاً للرحمة
- الأزمة تتجاوز الدمار إلى المعاناة الصامتة للأطفال والعائلات المحرومة من أساسيات الحياة
- تدمير الأماكن المقدسة والمدنية شاهد على شدّة المعاناة التي كابدها أهالي القطاع
- المسلمون والمسيحيون معاً في المستشفيات لا يفرقهم الدين بل يوحدهم الاحتياج والرحمة
- يجب أن يكون الاعتراف بفلسطين والعدالة مستندين إلى الضمير والسعي الحقيقي إلى السلام
- الولايات المتحدة لها دور محوري في الأزمة لكن التغيير سيأتي عندما تسبق الإنسانية السياسة
- "الصمت في وجه المعاناة خيانة للضمير" ولا يمكن للعالم العادل أن يتحمّل الرحمة الانتقائية
- يوجد نحو 500 مسيحي حالياً في قطاع غزة وكان عددهم قبل بداية الحرب 1017
ناجح بلال
تحدث نيافة الكاردينال بييرباتيستا بيتسابالا، بطريرك القدس للاتين، في لقاء خاص مع مراسل صحيفتي "السياسة" و"آراب تايمز"، حيث نقل مشاهداته المباشرة حول الدمار، المعاناة والكرامة الثابتة لشعب غزة.
لقد سار الكاردينال بين الجرحى والنازحين، زار الكنائس والجوامع، المدارس والملاجئ والمؤسسات المتضررة، وأصغى إلى آهات شعب يعيش في ألم عميق. لكن وسط هذا الركام، وجد قوة استثنائية ووحدة، وإيمانا لا يتزعزع.
في هذه المقابلة، لا يقدم الكاردينال شهادة رحمة فحسب، بل يوجّه أيضا نداءً أخلاقيا إلى ضمير العالم، داعيا إلى العدالة والسلام والاستجابة الإنسانية العاجلة، وفيما يلي تفاصيل المقابلة:
كيف تصف حجم المعاناة الإنسانية التي شاهدتموها خلال زيارتكم إلى غزة؟
رأينا شعبا مثقلا بوطأة الحرب بين جرحى ونازحين، لكنهم ما زالوا يحملون صورة الله، حزنهم عميق وشامل، لكن كرامتهم وقوتهم الداخلية لا تزال راسخة.
ماذا لاحظتم بشأن دمار الشوارع والمباني؟
وسط الجدران المحطمة مثل كنيسة القديس بورفيريوس، وأيضا كنيسة العائلة المقدسة والجوامع والأحياء المدمرة شاهدنا آثار الصراع الملموسة، فضلا عن أن تدمير الأماكن المقدسة والمدنية تشهد على شدّة المعاناة التي كابدها الناس.
هل كانت هذه زيارتكم الأولى إلى غزة منذ 7 أكتوبر 2023؟ وكيف كانت مشاعركم بعد الزيارة؟
إنّها المرة الثالثة التي أزور فيها غزة منذ 7 أكتوبر 2023، لم يكن هدف الزيارة سياسيّ، بل راعويّ لزيارة ومواساة المؤمنين والسير بين الجرحى والوقوف مع المتألمين. فهي لحظات يغلب عليها الحزن، لكنها أيضا مليئة بالرجاء الثابت المتجذر في الإيمان والتضامن.
الكاردينال بييرباتيستا بيتسابالا يشاهد المأساة
بعد الزيارة قلتم: "رأينا كرامة إنسانية ترفض أن تموت...". هل يمكنكم توضيح ذلك؟
نعم، حتى وسط الألم، وجدنا كرامة لا تنكسر، مؤمنو غزة ينوحون، لكنهم يطعمون ويشفون، يصلّون ويتعاطفون.
فإن صمودهم، المتجذر في المحبة والإيمان شاهد حيّ على قوّة الروح البشريةّ في وجه الألم المتواصل.
هل يمكنكم أن تحدثونا أكثر عن روح الوحدة بين أهل غزة في ظل هذه الأزمات؟
بالفعل، في الكنائس والملاجئ، وخاصة في المستشفيات، يجتمع المسلمون والمسيحيون معًا، لا يفرقهم الدين، بل يوحدهم الاحتياج والرحمة هذه الأماكن هي شهادات حيّة للإنسانيّة، الأخوة والتضامن.
ما ملاحظاتكم بشأن تضرر مصادر المياه النظيفة؟
رغم أن هذا الأمر لم يرد بتفصيل في البيان، إلا أن الواضح أن الحاجات الإنسانية الأساسية مثل المياه قد تضررت بشدة، الأزمة تتجاوز الدمار المرئي إلى المعاناة الصامتة للأطفال والعائلات المحرومة من أساسيّات الحياة اليوميّة.
ما رأيكم في نية فرنسا الاعتراف بدولة فلسطين؟
رغم أن بياننا هذا لا يشمل تطورات سياسية معينة، إلا أننا ندعو المجتمع الدوليّ إلى التحرّك، لا الصمت. يجب أن يكون الاعتراف والعدالة مستندين إلى الضمير والسعي الحقيقي نحو السلام.
هل تتوقعون تغيّرا محتملا في موقف الولايات المتحدة قد يساعد سكان غزة؟
نأمل ذلك، الولايات المتحدة لها دور محوري وأساسيّ في هذه الأزمة، لكل من يمتلك السلطة نقول: "طوبى لصانعي السلام"، التغيير الحقيقي سيأتي عندما تسبق الإنسانية السياسة، والسلام على المواقف المتصلبة.
كيف ترون موقف الدول المتقدمة التي تدافع عن حقوق الحيوان بينما تصمت أمام مأساة الانسان في غزة؟
إنها مفارقة مؤلمة في ثقافة هذا العصر في بعض أنحاء العالم،"الصمت في وجه المعاناة هو خيانة للضمير"، لا يمكن للعالم العادل أن يتحمّل الرحمة الانتقائية، يجب أن تنتصر كرامة الإنسان على كل شيء.
ما تقييمكم لموقف الدول العربية تجاه معاناة شعب غزة؟
رغم أننا لا نذكر دولا بعينها، إلا أن الكنيسة تعترف وتشجع كل أعمال الرحمة والتضامن والمساعدة، وندعو إلى مواصلة الدعم الشجاع من جميع الدول العربية لإخوتهم في قطاع غزة والضفة الغربية.
كم يبلغ عدد المسيحيين في غزة؟ وهل تضررت الكنائس؟
رغم أن الأرقام غير دقيقة، فإن المجتمع المسيحي في غزة صغير لكنه ثابت في إيمانه. حاليا يوجد حوالي 500 مسيحي. قبل بداية الحرب كان عددهم 1017 مسيحيا.
ما رأيكم في تأخر إيصال المساعدات الإنسانية إلى غزة؟
كما قلت بعد الزيارة: "المساعدات الإنسانية ليست ضرورية فقط، بل هي مسألة حياة أو موت، منعها ليس تأخيرا، بل حكما بالإعدام، كل ساعة تمرّ بلا غذاء، ماء، دواء أو مأوى تسبّب أذى عميقا".
كيف تنظرون إلى رفض سكان غزة للتهجير القسري؟ وهل لا تزال إسرائيل تمارس ضغوطا في هذا الاتجاه؟
نعم،ـ ما زلنا لا نعرف ما الذي ستؤول إليه المرحلة القادمة، في هذه الأيام سيتمّ اتخاذ قرارات، ونحن قلقون.
برأيكم، ما هو الطريق الحقيقي لإنهاء هذه المآسي؟ وهل هناك حاجة لزيادة المساعدات الإنسانية؟
أولا، يجب وقف إطلاق النار فورا، والسماح بدخول المساعدات الإنسانية، يجب استئناف الدراسة، وإعادة تشغيل المستشفيات، نحتاج أولًا إلى خطوات على المستوى الميداني لإحياء الحد الأدنى من الحياة، وإعادة بناء شيء شبيه بالحياة الطبيعية، وفقط بعد ذلك يمكن مناقشة القضايا السياسية الكبرى.
ما رأيكم في موقف الكويت الداعم لغزة والقضية الفلسطينية؟ ما الرسالة التي توجهونها لقيادتها؟ هل هناك خطط لزيارة جديدة إلى غزة؟
إلى الكويت وقيادتها: إن دعمكم واضح، وتضامنكم محل تقدير، نشجع على مواصلة هذا الالتزام النابع من كرامة الإنسان والوضوح الأخلاقي وإن دوركم جوهري.
خاتمة المقابلة
لا تجسد هذه المقابلة حزن شعب فحسب، بل تنقل صوت راعٍ اختار الحضور على الغياب، والتضامن على الصمت. كلمات الكاردينال بيتسابالا تدعو العالم إلى أن يستعيد ضميره وأن يتحرك بشجاعة لا بحساب، وبالرحمة لا باللامبالاة. وفي هذه الروح، يوجّه نيافته نداءً قلبيّا ورسميا إلى حضرة مقام صاحب السمو الشيخ مشعل الأحمد الجابر الصباح، حفظه الله ورعاه، أمير دولة الكويت؛ وإلى حضرة صاحب السمو ولي العهد الشيخ صباح الخالد الحمد الصباح، حفظه الله ورعاه؛ وإلى حكومة دولة الكويت الموقرة.
لقد كانت دائما دولة الكويت على مدى عقود في طليعة التضامن الإنساني ومنارة للرحمة والعدالة والكرم في العالم العربي. سواء من خلال المساعدات الطارئة، أو الدعم الدبلوماسي، أو القيادة الأخلاقية، فقد اختارت الكويت أن تسير إلى جانب المظلومين، وأن تُسمع صوت من أسكتهم الظلم والحرب.
واليوم، فيما يمر شعب غزة بإحدى أحلك لحظات تاريخه، يحثّ الكاردينال قيادة الكويت على مواصلة رسالتها النبيلة، لتستمر الكويت حارسة لكرامة الإنسان وأن ترفع صوت السلام، وتدافع عن الحق في الحياة، وتقدّم المساعدة لمن هم في أمسّ الحاجة إليها.
ليظل اسم الكويت في نظر الإنسانيّة والعالم رمزا للرحمة، الضمير، والتضامن الصامد.