في العام 2000، تمَّ التوجّه بنداءٍ صاخبٍ الى اللبنانيّين، والى الخارج، وضعَ النّقاطَ على الحروف في ما خصّ الواقعَ السياسيّ والأمنيّ المفروضَ على الوطن، وما جرَّ من وبالٍ على البلدِ وأهله. واليوم، بعد 25 سنة، من الزلازل، هل تمَّتِ النقلةُ النوعيةُ الى نوعٍ من المواجهةِ انتصاراً للحقِّ، ورفضاً للتَّطويعِ بالتّرهيب؟
إنّنا نستعيد النّداء، نفسه، ساعين إلى أن يسمعَهُ كلُّ الدّاخِلِ والخارجِ، وعلى حَدٍّ سَواء. إنّ أخذَ البلادِ إلى الضَّياعِ بعدم التّجاوب مع قرارات الأُمم، برفض تسليم السّلاح إلى الدولة، يعني تضييعَ الفرصة القادرة على إعادة الدولة إلى الدولة، ما يُعيدُ منظومة الاستقواء لتسيطر على البلاد وقرارها، فتبقى الدولةُ منشولةً، يهيمنُ عليها متسلِّطونَ اقترعوا على ثيابِ لبنانَ بعدَ أن علّقوه على خشبةٍ من لحمِهِ ودمِهِ.
من هنا، يُفهَمُ أنَّ تَرَهُّلَ الدولةِ، وتَبَخُّرَ الجرأة لدى المسؤولين، أدّيا الى استباحةِ الوطن، وزَجِّهِ في فوّهات المَحاورِ، وأتون الحروب العبثيّة، ما أنتَجَ تحريمَ حلمِ النّاسِ بالتحرُّرِ الحقيقيّ، وإجهاضَ تَوقِهم الى حياةٍ راغدةٍ وواعِدة.
لقد بات اللبنانيّون، اليوم، ملزَمين بفَرضِ موقفِهم، فبعدَ أن مارسوا، ولفترةٍ غيرِ قصيرة، سياسةَ ردَّةِ الفِعل التي أَلْزَمَتْهم تقديمَ تنازلاتٍ اضطراريّةً ظنّوا أنّها لحمايةِ لبنانَ مِمَّن يريدون له السّوء، أغراباً و"ولاد البلد"، برزَ لهم سؤالٌ ستراتيجيٌّ هو: هل كانوا على حَقٍّ في عدمِ متابعةِ معركةِ السّيادةِ التي بدأَها أسلافُهم؟ من هنا، كانَ النّضال واجباً، لا اعتباطياً، ليبقى للشّعب وطنٌ سَيِّدٌ، ذو قرارٍ حُرٍّ، يعيشُ فيه أجيالُه غيرَ قَلِقينَ على حاضِرِهم ومستقبلِهم، لتَعودَ الكرامةُ الوطنيّةُ، بذلك، الى أَخْذِ نَفَس.
في هذا الصّدد يُطرَح السؤال: هل يمكنُ أن تُشكِّلَ هذه المواجهة مُفتَرَقًا مِفصَلِيًا في حاضرِ الوطنِ، ومستقبلِهِ؟ وما هي الآليةُ المُتاحَةُ، أو خارطةُ الطَّريق، للتَّوَصُّلِ الى جَعلِ أهداف هذه المواجهة حقيقةً مَلموسةً؟
إنَّ الإجابةَ، في هذه المسألة، سَهلةٌ، وخطيرةٌ، في آنٍ واحِد. فإذا تَوَكَّلنا على استعدادِ القوى السِّيادية للحراكِ الفاعِلِ، وبشتّى الوسائل، للتَّأثيرِ، والفَرض، يُمكنُ أن نضعَ أيديَنا "في الماءِ الباردة"، كما يقولُ المَثَلُ الشَّعبيّ. أمّا إذا التَفَتنا الى الفريقِ المُسَلَّحِ، والى تَخَرُّصاتِ مَنْ يصَفِّقون له، وَضَعْنا أيديَنا على قلوبِنا. فالمواجهةُ هي بينَ الطَّرحِ الوطنيِّ المُستنِدِ الى مفهومِ الكيانِ، والدَّولة، كما في سائرِ اُمَمِ الأرض، وبين استباحةِ الهيمنةِ بامتِلاكِ القوّة، ليفرضَ المُستَقوي مَعاييرَهُ في لعبةِ السُّلطة، مُحاوِلاً اختزالَ الدولة، ومُصادرةَ قرارِها، حتى وَلَوْ كانَ سبيلُهُ الى ذلك، الاصطدامَ بقواها المسلّحة.
وعلى هذا، يَتَبيَّنُ أنَّ سقفَ قَبولِ "حزب الله" بمشروعِ الدولة، وعودةِ القرارِ الى السلطةِ الشرعيّة التي تمتلكُ، حصرياً، السّلاح، هو معدوم، ما يعرِّضُ البلدَ لاهتزازاتٍ خطيرةٍ يمكنُ أن تودِيَ بوجودِهِ.
قُبالةَ هذهِ المُشكلة، لا بُدَّ منَ تَبَنّي إجراءاتٍ ميدانيةٍ مُباحَةٍ، ومُتاحَةٍ، في آنٍ مَعاً، يُمكنُ استهلالُها بإحياءِ "جبهة لبنانيّة عريضة" يتمثّلُ فيها جميعُ الوطنيّين، من أيِّ مذهبٍ أو طائفةٍ، وتدعو الى التَّعبئةِ المُستدامَةِ لجُمهورِ "الحريةِ والسّيادةِ والاستقلال".
وتالياً، التَوَجُّهُ لكلِّ النَّسيجِ الوطنيِّ، بِخُطابٍ واضحٍ، وجريءٍ، ومستمِرٍّ بِتَنامٍ، مُرَكِّزاً على ما يعاني منه اللبنانيّون من ذُلٍّ وعَوَزٍ وقَهر وتهجير، بسببِ أخذِ البلادِ الى جولاتِ الموت، وما نتجَ عنها من خرابٍ وضحايا وانهيار الاقتصاد، وتدمير بنيةِ الدولة، والتَعَدّي على الكيانيّةِ وسيادتِها، وعلى الهويّة الوطنيّة، ما أَنتجَ قلقاً على السّلامةِ والمصير.
كما ينبغي العملُ على إطلاقِ ستراتيجيا المواجهة، بالتَّواصلِ مع الخارجِ، إقليمياً ودولياً، لا سيّما الدّول الخليجيّة الشّقيقة، لِعَرضِ حقيقةِ ما يجري، وللمطالبةِ بِدَعمِ لبنانَ لكي يعودَ بلدَ الأَمانِ والأمانة، وذلك، بتَدويلِ أزمتِه، وتنفيذِ القراراتِ الأُمَمِيّة، كما يلزم تجييشَ الجامعةِ اللبنانيةِ الثقافيةِ في العالَم، واللبنانيّينَ في بلدانِ الانتشار، لِطَرحِ القضيةِ اللبنانيةِ من على المنابرِ العالميّة، والمَحافلِ الدوليّة، على أنّها قضيّةٌ مركزيّةٌ مُحِقَّةٌ وحاضرةٌ في عمقِ وجدانِ الانتماء الوطني.
ينبغي أن يعلمَ الجميع أنّ الجبهة الوطنيّة العريضة لم تَعُدْ جُنديًا مَجهولاً، فهي أقوى الأَسلحةِ، وأَحَدُّها، وهي الصّامدةُ، لا الصّامِتة، وهي عامِلُ النَّجاحِ في المُواجهةِ بينَ الخوفِ والإِقدام.
لقد انقضى موسمُ شَطبِها، فلا نُضَيِّعَنَّ فرصةَ عودتِها مع شَعبِها الى السّاحة، رافِعةً بَندًا وحيدًا قوامُهُ نِضالٌ غيرُ قابلٍ للتّراجع، يُعيدُ، خريطةَ الوطنِ الى الوطن.
كاتب، استاذ جامعي لبناني