الجمعة 01 مايو 2026
27°C weather icon
logo-icon
تم نسخ الرابط بنجاح
القيادي الذي لا يسمع منك إلا النقد... لن يصغي إليك
play icon
كل الآراء

القيادي الذي لا يسمع منك إلا النقد... لن يصغي إليك

Time
الخميس 14 أغسطس 2025
عبدالعزيز محمد العنجري

يحزنني أن كثيراً ممن أجلس معهم يريدون أن أحصر كتابتي في ملف أو اثنين فقط، بينما هناك قضايا أخرى مهمة تستحق بدورها مساحة من الاهتمام؛ فواقع الكويت أوسع من أن يُختصر في زوايا محددة، مهما كانت مريرة.

بدأت "بيبان مطرِّفه" تُغلق بإحكام، وطرقات مهجورة عادت تسمع وقع الخطوات من جديد. ولعل أبرز هذه الأبواب التي بدأت تُغلق تدريجياً ملف المخدرات… تلك التي لا تفرّق بين الناس في عدالة إجرامها. على مدى عقود، لم تفرّق بين غني وفقير، ولا بين طالب أو زوج، بل دمّرت أسراً وأزهقت أرواحا.

أما اليوم، وللمرة الاولى منذ زمن، نشهد جدية حقيقية في التعامل مع ملف المخدرات عبر الأفعال لا الأقوال؛ تشديد على المنافذ، وتفكيك شبكات عملاقة، وغياب الواسطة التي كانت تحمي مجرماً، وتشفع لمتاجر، وتستر موزعاً. وهذا إنجاز يُحسب للحكومة، وللأجهزة الأمنية المتفانية في عملها.

ومع تقديرنا للجهود المبذولة والمقاصد النبيلة وراء مكافحة المخدرات، فإن الإفراط في نشر أخبار الضبطيات قد يُفضي أحيانًا لنتيجة عكسية. فتحقيق الردع وطمأنة المجتمع أمر مطلوب، لكن العرض الإعلامي يحتاج إلى توازن يحفظ سمعة الدولة أيضاً، إذ قد يُستغل لترويج صورة سلبية توصم الكويت بأنها ممر رئيسي لتجارة المخدرات.

وكما أن في الحكومة من يسعى إلى حماية الجسد من السموم، فإن فيها من يحمي خزينة الدولة من النزف. فالاعتداء على المال العام، في أزمنة مضت، أصبح في نظر البعض أمراًص عادياً حتى فقدت عبارة "محاربة الفساد" معناها، وكأن الخزينة بئر مفتوحة لكل من طالت يده أن يغترف منها كما يشاء.

واليوم، نرى المحاسبة تُطبَّق في قضايا المال العام بمنطق "أنت متهم حتى تثبت براءتك" وفيها شيء من الصرامة التي قد تبدو قاسية ولا تروق للبعض، غير أن الفساد حين يتحول إلى عادة راسخة، فإن المعالجة اللينة لا تكفي، بل لا بد من قدر محسوب من الشدة، حتى لا يفلت المتجاوزون من المحاسبة.

وأستذكر هنا ما فعله خالي، حمد الجوعان رحمه الله، حين صاغ وأقرّ قانون حماية الأموال العامة، قبل أكثر من ثلاثة عقود.

لم يكن العمل وليد يوم أو أسبوع، بل استغرق جهداً وبحثاً وصياغات متعددة حتى خرج القانون بصورته النهائية. فالتشريعات والإصلاحات الجادة لا تؤخذ على عواهنها، بل تُبنى بروية وتأنٍ، تماماً كما تُضبط آلة جديدة حتى تعمل بأعلى كفاءة.

في ملف المال العام والتعدي عليه، فإن التشدد الحالي، رغم وجاهة مقصده، إذا لم يُحكم بضوابط عادلة قد يخلق بيئة يتردد فيها القياديون في العمل والاجتهاد، خشية الوقوع في خطأ غير مقصود يُحاسَبون عليه حساباً عسيراً، وهي نتيجة تبدو للوهلة الأولى مخالفة للتوقع، وأفضل وصف لها هو ما يعبّر عنه بالإنكليزية بكلمة" counter-intuitive"، لكنها واقع محتمل إذا غابت المعايير المتوازنة.

عندها يسود الحذر المفرط على حساب الإبداع، وتغلب النمطية والروتين، وتزداد الإجراءات الوقائية التي تُبعد عن الإنجاز، فيُتعامل مع الوقت وكأنه أمر ثانوي لا يستحق الاعتبار، فتُهدر الفرص، وتتأخر القرارات.

ويحدونا الأمل أن يكون هذا التشدد موقتاً، ويعقبه إعادة ضبط وتعيير يضمنان العمل بكفاءة أعلى. وبما أن ماكينة مكافحة المخدرات ومكافحة التعدي على المال العام في الكويت لا تزال في بداياتها، فإننا نستبشر خضوعها، بإذن الله، لمزيد من التطوير والتحسين حتى تحقق العدل بأعلى درجات الاتقان والإنصاف.

وفي النهاية، فإن الثناء الموزون والنقد الصادق يصنعان الفرق بين بلد ينهض وبلد يتعثر. والحكومات، شأنها شأن الطالب في المدرسة، تدرس مواد متعددة؛ قد تتفوق في بعضها، وتؤدي أداءً عادياً في بعضها الآخر، وقد تخفق في جانب أو أكثر. والإنصاف يقتضي ألا نركز فقط على "الدوّاحات"، بل نُقِرّ أيضاً بما تحقق من إنجاز، دون إغفال ما يحتاج إلى تطوير وتحسين ليبلغ ما نرجوه. ومن تريد منه الالتفات إلى همومك، التفت قليلاً إلى إنجازاته، فلعل الصدق معه هو المطلوب.

Abdulaziz_anjri@

آخر الأخبار