الخميس 30 أبريل 2026
31°C weather icon
logo-icon
تم نسخ الرابط بنجاح
الوطن ومواجهة الأسوأ
play icon
كل الآراء

الوطن ومواجهة الأسوأ

Time
الخميس 21 أغسطس 2025
د.جورج شبلي

بعد أن أعلن "حزب الله" حرب الإسناد التي لم تأتِ له بالنّفع على صعيد النتائج والمردود، بقَدر ما جرّت الويل والمآسي، والخراب والضحايا عليه وعلى البلاد بأسرها، ليصدقَ بفعلِه العبثيّ ما قيل بأنّ كلّ حرب تبدأ بشِعار، وتنتهي بأنقاض، حتى يتابعَ عدم اتّزانه، بل هوسَه غيرالمبرَّر، بتعنّتٍ يستبيح به رأيَ الوطنِ بنسيجِه كلِّه، مصِراً على عدم التّنازل عن السّلاح، وتسليمه للدولة.

وهذا يعني، تماماً، إعلانَ حربٍ على الشّرعية الرسمية، وعلى أهل البلاد، وعلى القرارات الأمميّة، ما يعرّضُ الوطن لتداعيات وخيمة، ملوَّنة بالدم، تُفقِده الأمان، والخبز، معاً.

وقد فاجأنا الذين ساروا في ركاب المكابِرين، أنّهم هيَّصوا بمعلّقات أين منها المعلّقات السَّبع الجاهليّة، وقد ركّزت، في مقدّمها، على النّصر المُبين الأسطوريّ، وهم لم ينسوا، كالعادة، توجيه تهمة العمالة، وهي جاهزة دائماً، للذين أدانوا التفرّد بقرار الحرب، وعدم تسليم السلاح للقوى الشرعية، ما أَخَذ، ويأخذُ البلد الى مصائر لا تُحمد عقباها.

إنّ البعض من حاملي الألقاب في "حزب الله"، ومن على الشّاشات، وصل بنبرته الخطابية الطنّانة حدّ نضوب الدّم من وجهه، فكأنّه يواجه فرساناً في ساح القتال الشّاشَاتي، وأعلنَ بسبّابتِه المرفوعة مشروعَ التّهديد والوعيد، ما قاد الى مشهد انفعاليّ لا ينضح منه أيّ حكمة، بقدر ما يؤكّد على أنّ الوطن معرَّض لمخاطر هو بغنًى عنها.

وإذا عدنا الى ما يدافع عنه المكابِرون، أي سلاح المقاومة المزعوم أنّه وسيلة دفاع وطني، فواضح تماماً أنّ المكابِرين انقلبوا على ما تمّ التّفاهم عليه في اتّفاق وقف إطلاق النّار، وأفرغوا القرارات الدولية من جدواها، لا سيّما القرار 1701 وملحقاته، وواجهوا، بعنف، قرار الحكومة اللبنانية بحصر السّلاح بالشرعية، والذي حصل على دعمٍ عربيّ، لا سيّما من دول الخليج الشّقيقة، ومن دولِ العالَم قاطبةً، كلّ ذلك لمتابعة شلّ الدولة، وتعطيل بنود التّفاهم، ووضع اليد على مفاصل الموقف اللبناني في خضمِّ التغيّرات الشرق أوسطيّة، وأحكام القبضة على الدّاخل، ليبقى الوطن محشوراً في عنق الأزمة، والخطر، ويواجه زوال بعضٍ من أرضه، بالاحتلال. فأينَ مواجهة العدوّ الغاشِم من هذا كلِّه؟

إنّنا ندين، وبشدّة، العدوّ الذي ينتهكُ سيادة البلاد بغاراتٍ منتظمة، واغتيالات مستمرّة، تحت عنوان "الوقاية الاستباقيّة"، ونطالب القادِرين الدَّوليّين بفرض وقف فوريّ لإطلاق النّار، وممارسة ضغطٍ على العدوّ الإسرائيلي حفاظا على الاستقرار، كما أنّنا نعتبر أنّ مشروع "حزب الله" الدّخول في الحرب، ليس، على الإطلاق، دفاعاً عن لبنان، وأهله، وسيادته، وكيانه، إنّما هو خطأ شنيع، وسلوك مرتبط بأوامر من خارج معروف، وهو زجٌّ للبلاد في صراع ضَروس أنتَجَ سوءاً، ودماراً، وضحايا، ومهما ابتُدِعت الأساليب لأَسطرة نتائج العَبَث، فلا يُطلَب من الواحد، للوقوف على حقيقتها الدامية، إلّا إتقان القراءة، فقط.

كان من واجب المغامِرين، قبل المباشرة بتنفيذ قرار ليس ملكهم، وهو قرار الحرب والسِّلم، أن يُمعنوا النّظر في نتائج مغامرتهم بمقياس العقل، والرّزانة، وبتوقّع التّداعيات المُكلِفة، وأيضاً، بطرح هذا القرار، وهو قضيّة مركزيّة في الدولة، على طاولة الحكومة، وأمام المسؤولين الأمنيّين وسواهم... وكان عليهم، أيضا، أن يسألوا لماذا إلزام لبنان، وحده، بأن ينخرط في المواجهة، من دون دُوَل الممانعة، وأين وحدة السّاحات التي نُظِمَت فيها المطوّلات وبقيت حِبرًا على ورق باهت؟ وعليهم، أيضا، أن يتيقّنوا من أنّ الهيمنة الاستقوائيّة التي كانوا يمارسونها، ما مكّنَهم من سَلبِ البلاد حقّها بالسّلام والعيشِ الآمن، قد أصبحَت مفلِسة، وبلا فاعليّة، ولن تؤدّي، إطلاقاً، الى إرغام القيِّمين على شؤون البلاد الى الرِّضا القسريّ المتحالِف مع التّخاذل، والذي يُفضي الى القضاء على الوطن، بل على العكس من ذلك، فقد التزمت الحكومة قاعدة الصّواب الوطني، وأصدرَت موقفاً ستراتيجياً مشرِّفاً وريادياً يقضي بحسم مسألة السّلاح غير المشروع، لبسط سلطان الدولة بالكامل على مساحة البلاد.

ولمّا كانت العِبرة بالتّنفيذ، كما نقول، دائماً، فإنّ اللبنانيّين في غالبيّتهم المطلَقة، على يقين أنّ المسؤولين مُحفَّزون الى رأب الصّدع الذي أحدثَه سلاحُ الدويلة، طوال عشرين من السّنين، بمؤامرة تقضي على الحيثيّة اللبنانيّة، كياناً وهويّة، فقالت الحكومة كلمتها، وكلمتُها عهدٌ لاستقلال جديد، وبدونها، عسى ألّا نجدنا مضطرين الى القَول: رحمَ الله الوطن.

كاتب وأستاذ جامعي لبناني

آخر الأخبار