الأحداث الدامية المؤسفة، التي حصلت في الآونة الأخيرة وما قبلها في الوطن السوري، فرضت نفسها وأحدثت جدلاً وصراعاً وجودياً، بات يهدد القيم والمفاهيم الجوهرية المتعلقة بمسائل مهمة مثل الهوية والانتماء والوطن.
وبتنا نسمع، وللأسف مطالبات بحماية دولية، وحق تقرير المصير، والحكم الذاتي أو الفيدرالية والتدخل الخارجي، والاحتماء بالعدو وغيرها، وهذا ما دفعني إلى محاولة إلقاء الضوء على هذه المفاهيم والمبادئ.
الهوية باختلاف سياقاتها، هي التي تميزنا وتحقق لنا مشاعر الاستقرار والأمن والوجود. وهي عند علماء النفس كينونة الشخص في مراحله المختلفة، طفلاً وشابّاً وكهلاً وشيخا.
وعند علماء الاجتماع تعني الاندماج في المجتمع الذي يعيش فيه الشخص، والانتماء إليه. والهوية الثقافية والحضارية لأي أمة، هي القدر الثابت والمشترك من السمات والقسمات العامة، التي تميز حضارة هذه الأمة، وذلك المجتمع.
ما يهمنا في هذه المقالة الهُوية الاجتماعية، وهي محصلة مختلف التفاعلات المتبادلة بين الفرد مع محيطه الاجتماعي، القريب والبعيد، وتتميز بمجموع انتماءاته في المنظومة الاجتماعية؛ كالانتماء إلى طبقة جنسية، أو عمرية، أو اجتماعية، أو مفاهيمية، أو عرقية أو دينية، أو سياسية وهذه الانتماءات تتيح للفرد التعرف على نفسه في المنظومة الاجتماعية، وتمكن المجتمع من التعرف عليه.
عبر التاريخ، كانت ولا تزال القوى المسيطرة، وصاحبة السلطة، تسعى إلى فرض ثقافتها وهويتها، وهذا ما ذهبت إليه القوى الغربية في القرون الماضية، عندما احتلت الشعوب الأخرى، وسعت إلى طمس هويتها، وحديثا لا تزال تسعى هذه القوى إلى الهدف نفسه من خلال إدخال العولمة للمجتمعات، وتعزيزها عن طريق وسائلها المتعددة اقتصادية، كانت عبر الشركات الكبرى، أو عسكرية من خلال فرض الهيمنة والسيطرة بالقوة، أو بوسائل الإعلام المنتشرة.
وهذا يؤدي في النهاية إلى فقدان المجتمعات خصوصيتها وذاكرتها الشفوية، ولغاتها الأم، وبدوره يؤدي إلى تدمير أهم عناصر الهوية فيها، وتغيير الأنماط، والنظم الاقتصادية والثقافية والاجتماعية، ومجموعة القيم والعادات السائدة، وإزالة الفوارق الدينية، والقومية، والوطنية في إطار تدويل النظام العالمي الحديث، وفق الرؤية الأميركية - الغربية المهيمنة، التي تزعم أنها سيدة الكون، وحامية النظام العالمي الجديد.
وذلك كي تختزل العالم وتصيغ مفهوم الهوية على مقاسها، هذا الاختزال الذي لا يُقر بالتنوع سيؤدي إلى توتر يفجر نزعات التعصب المغلقة، وعودة إلى إحياء الخصوصيات الضيقة التي تتغذى من مرجعيات عرقية ودينية جامدة، مما يقود إلى الارتماء في سجن الهويات الثابتة المغلقة.
عودة إلى البدء، قد يستهجن البعض ويتساءل: لماذا تعالت أخيرا في سورية بعض الأصوات المطالبة بالانسلاخ عن الهوية الوطنية، وحتى القومية، ولماذا طالب البعض أيضا منذ بداية الثورة السورية عام 2011 وحتى اليوم، ومن كل مكونات المجتمع، بالتدخلات الخارجية والحماية الدولية؟
الإجابة بسيطة، هي فقدان الثقة بالانتماء والهوية والوطن، بسبب ما تعرض له الشعب بكل مكوناته وانتماءاته من مجازر، وقتل، وتشريد واضطهاد، وجرح للكرامة، وذبح، وتهجير من السلطات التي كان يرتجي منها الحماية، لكن للأسف لاقى الشعب العكس، ولهذا كانت المطالبة، من البعض، بالتدخلات الخارجية، ليس كرها بالهوية والانتماء، بل ليحموا أنفسهم من كوارث جلبتها عليهم الأنظمة والسلطات، بدءاً من نظام الأسد البائد و"داعش"، وصولا للفصائل المسلحة المنفلتة وداعميها، لذا فقدت بعض فئات الشعب الثقة، وطالبت بالحماية بعدما أصبح بقاؤها مهدداً، ووجودها في خطر.
كاتب سوري