الاثنين 01 سبتمبر 2025
39°C weather icon
logo-icon
تم نسخ الرابط بنجاح
الحكومة بين حسن النية وارتباك التنفيذ
play icon
كل الآراء

الحكومة بين حسن النية وارتباك التنفيذ

Time
الخميس 28 أغسطس 2025
عبدالعزيز محمد العنجري

مستقبل الكويت الناجح يقوم على اقتصاد قوي ومتنوع، ولا اقتصاد قوي من دون قطاع خاص فعّال يشكل رافعة للتنمية وتوفير فرص العمل. ودعم هذا القطاع لا يعني منح امتيازات للتجار على حساب المواطن، بل بناء بيئة متوازنة يستفيد منها المجتمع بأسره.

غير أن بعض السياسات الحكومية، التي يُفترض أن تعزز هذا الدور، تحولت قرارات متناقضة تزرع القلق أكثر مما تبني الثقة.

ترفع الحكومة شعار التكويت، لكنها في الوقت ذاته تفرض رسوماً وشروطاً تثقل كلفة التشغيل، وتربك الشركات، فكيف يُشجَّع القطاع على التوظيف بينما يُحمَّل المزيد من الأعباء؟

ولم يتوقف الأمر عند سوق العمل؛ إذ طالت القرارات شركات التأمين الصحي، والقطاع الطبي الخاص بزيادة الأعباء، فيما واجه أصحاب الحيازات الصناعية تهديدات متكررة بسحب التراخيص. قد تكون النوايا تنظيمية، لكن التطبيق يوحي بعدم استقرار، أكثر مما يعكس إصلاحاً مدروساً.

والأخطر أن الحكومة لم تكتفِ بدور المنظّم، بل زادت من حضورها كمنافس مباشر للقطاع الخاص، متوسعة في دخول قطاعات أكبر، من تأسيس "شركة للمخازن" إلى إدارة سوق شرق عبر "التأمينات"، وصولاً إلى جزر جسر جابر التي مُنحت لشركات حكومية بدل طرحها على المستثمرين المحليين، بشروط عادلة تحقق عائداً اقتصادياً وتنموياً. قد تكون النية تحسين الإيرادات، لكن الرسالة سلبية، فالدولة لم تعد حكماً، بل لاعباً ينافس في الملعب ذاته. ويا ليتها، وهي تملك كل هذه المزايا، تسجّل الأهداف في المرمى؛ لكن الكرة غالباً ما ترتد من العارضة. فهل يُعقل أن يصفّق الجمهور للاعب طيب النية حسن القلب…لم يسجّل هدفًا؟

ولا خلاف على أن التكويت هدف وطني مشروع، لكن الحكومة ماضية في رفع الرسوم والقيود، دون أن تقدم بدائل حقيقية. فزيادة رسوم التأشيرات والتصاريح لم يقابلها أي دعم، أو تحفيز للمشاريع الصغيرة والمتوسطة.

النية قد تكون ضبط السوق وزيادة الإيرادات، لكن النتيجة الواضحة كانت ارتفاع الأسعار على المستهلك، وتزايد التوتر مع القطاع الخاص، وعزوف المستثمرين كما رصدت تقارير دولية محايدة.

ما تحتاجه الكويت اليوم ليس المزيد من القرارات المرتبكة التي تُتخذ على عجل، ثم يُعاد التراجع عنها، ولا ممارسات تعكس صورة "المعلّم الغاضب" الذي لا يعرف سوى العقاب، بل تحتاج إلى خطة متكاملة تحفّز الشركات التي توظف الكويتيين عبر دعم مباشر وإعفاءات، وتلغي، أو تخفف الرسوم المفاجئة خصوصاً على المؤسسات الصغيرة، وتحدد بوضوح الفرق بين دور الدولة كمشرّع منظم يضع القواعد ويراقب، ودور القطاع الخاص كمحرّك اقتصادي يبتكر وينافس.

إن النية في الإصلاح لا تُنكر، لكن المقلق أن العمل الحكومي بات يُقدَّم في واجهته بكل ما هو سلبي. فبدل أن تكون العناوين الرسمية عن إنجازات أو مبادرات إصلاحية، نجدها تنحصر في أخبار من نوع: ألغينا، سحبنا، أحلنا، قيّدنا، فرضنا، رفعنا، عناوين رئيسية تُكرّس مناخ العقوبات.

وهكذا تبدو الحكومة في صورتها الحالية لا توصل رسالة نجاح، ولا تعكس وضوح فهم، ولا تمنح الناس ما ينتظرونه من بشائر خير. فيتحول الاقتصاد من محرك للنمو إلى عبء يثقل حياة الناس. وإذا كانت الحكومات الناجحة تعرف أن الثقة هي رأس المال الحقيقي، فإن ما يجري عندنا يهدر هذه الثقة قبل أن يهدر المال. لقد أثبتت التجارب في المنطقة أن الطريق نحو اقتصاد أكثر حيوية يمر عبر تمكين القطاع الخاص. ففي السنوات الأخيرة، سارعت الإمارات والسعودية، مثلا، إلى طرح حصص من شركات وطنية كبرى في قطاعات حساسة للطاقة والنقل والخدمات، بما في ذلك خصخصة "سالك" في دبي، وطرح أسهم شركات الكهرباء والتبريد، وصولاً إلى اكتتابات ضخمة في شركات النفط والبتروكيماويات السعودية.

الهدف لم يكن التخلص من الملكية بقدر ما كان فتح الباب أمام رؤوس أموال أجنبية، وإدخال خبرات تشغيلية حديثة، وتحقيق قفزة في جودة الخدمات وكفاءة الإدارة.

وقد أثبتت النتائج أن الحكومة ليست مضطرة للبقاء "مديرًا" بقدر ما يمكنها أن تكون "مشرعاً" ومراقباً يستفيد من نجاح هذه الكيانات عبر الضرائب والعوائد طويلة الأجل.

أما في الكويت، فإن التجارب السابقة تقدم شواهد واضحة على نجاح الخصخصة حين تُدار بحكمة. شركات مثل "مباني" و"زين" و"أجيليتي" انطلقت من مظلة الدولة، ثم تحولت مؤسسات عالمية تساهم في خلق وظائف، وتوسيع الاستثمارات، وزيادة الإيرادات غير النفطية. ومن المفارقات أن الحكومة اليوم تجني أرباحاً معتبرة من حصص ضريبية على أعمال هذه الشركات عبر الأسواق العالمية، حتى من دون وجود نظام ضريبي محلي شامل.

هذه النماذج تؤكد أن الحل ليس في العودة إلى عبء الإدارة الحكومية المثقلة بالتوظيف والمحسوبيات، بل في إطلاق العنان للقطاع الخاص، مع ضبط الإطار التشريعي الذي يضمن عدالة المنافسة وحماية المصلحة الوطنية. إذا كانت الحكومة ترى نفسها الطبيب المعني بالعلاج، فكيف لطبيب أن يشخص المرض ويصف الدواء من غير أن يستمع إلى المريض ويسأله عن أعراضه؟ من دون حوار مباشر يكون هدفه إشراك الناس لا مجرد إبلاغهم بالقرارات، لن تتمكن أي حكومة من الوصول إلى نتيجة إيجابية، بل ستظل تدور في حلقة من القرارات المرتبكة التي تفقدها الثقة قبل أي شيء آخر.

Abdulaziz_anjri@

آخر الأخبار