الخميس 30 أبريل 2026
31°C weather icon
logo-icon
تم نسخ الرابط بنجاح
النّموذج الخليجيّ
play icon
كل الآراء

النّموذج الخليجيّ

Time
الاثنين 01 سبتمبر 2025
د.جورج شبلي

لقد حدَّد نهجُ الصّحابة سُنّةَ العلاقة بين الإنسان والإنسان، فانطلقَت مسيرة العيش المتكافِل، مرتكزةً على أساس واحد هو حفظُ الكرامة الإنسانيّة، بالدّعم والمساعدة والخدمة، والاعتراف بالآخَر، والانخراط في هَمّ الأمّة وناسِها.

وكان القيّمون على الدّول الخليجية، انطلاقاً من تعاليمهم وإيمانهم بأنّ النّاس متّصِلون كيانياً، ومسؤولون بعضهم عن البعض الآخر، هم المُبادِرون إلى الالتزام بتوصيات الصّحابة، وفي مقدّمهم مسؤولو دولة الكويت الشّقيقة، بفَتحِ كوّةِ العبور الى حقّ النّاسِ بالعيش الكريم، ما يَنبغي، حُكماً، الترصّدُ لهذه المبادرة التي تُسَطِّرُ النُبلَ الخليجيّ، وتدفعُ للإفادة من موروثِه الرّاقي.

لقد أثبت النموذج الخليجيّ، بمنهجيّته المُنظَّمة، وبتكاثُفِ بُعدِ النّظر لدى قياديّيه، أنّ الحفاظ على القِيَم الأصيلة التي تشكّل هويّة الإنسان، بعناصرها المتشابكة، هو السّبيلُ إلى نجاحِ أيِّ حُكمٍ في إدارة مجتمع مزدهر، وتأمين حضورٍ أُمَميٍّ فاعل، وذلك، برُؤى صائبة، ومواقفَ رشيدة، وحكمة صافية.

وقد كانت الكويت الغنيّة بهذه المزايا، تؤمِّن لناسِها نظامَ رَخاءٍ اجتماعيّ واسع المساحة، يجمع بين عبقِ التاريخ وروح العصر، ما يمنحُ النموذج الخليجيَّ، عموماً، انطلاقاً من النّموذج الكويتي، ملامحَ متقدّمة وأكثرَ رَحابة.

ورَّغم الأحداث التي جعلَت الكويت ترسمُ طريقَها بدَمِها، غير أنّ أميرها الذي ارتبط بعلاقةٍ مخلِصة بالأرض والإنسان، ترتدي طابعَ الحُلول، كان صادِقاً مع أهل الكويت جميعاً، لأنّه كان صادقاً في قلبِه، وهذا الواقعُ يؤكّد، تماماً، على المسؤولية الدّقيقة التي يستشعرُها أيُّ حاكِمٍ وطنيّ، عندما تُواجهُ بلادُه تجربةً مأسويّةً كلفتُها باهظة، تطعنُها في الصّميم.

ولمّا كان الرَّفاهُ قطعةً حيويّةً من الحياة، ولا حياةَ مستقرّة بمنأى عن الرَّفاه، جعلَ القيّمون على دُول الخليج الشّقيقة، وفي مقدّمها دولة الكويت الزّاهرة، الرَّفاهَ في صلبِ ستراتيجيا السّلطة، ما يؤمِّن جودةً عالية المستوى للحياة، وهي جودةٌ تُغَيِّبُ القلق، فينعم النّاس بالعيش في ثَبات الطمأنينة، والاستقرار، والأمان، والسلام داخليّ.

أمّا استعدادُ هذه الدّول الشّقيقة لتقديم الدّعم للبنان الذي تعاقبَت عليه أحداثٌ دامية، من فِتَنٍ داخليّة، وحروب عبثيّة، وأجندات مشبوهة، ومؤامراتٍ هجينة، وجَولاتِ قهر، كانت الكوارثُ أدنى نتائجها، هدماً للدولة، ودماراً، وضحايا، وتشريداً، وتهجيراً، وإفلاساً... فإنّ النّهجَ الذي أعلنَ عنه القيّمون على دُول الخليج، والذي يختزل العناوين بعنوان واحد هو مَدُّ لبنان بمظاهر التّعافي، والمساعدات، والخدمات، كان حالة فريدة أمّلَت الوطنَ بعدمِ ردِّه الى قرون الظّلام، وتكبيلِه بالخوف على المصير، فلا جَوازَ، بعدُ، للتوتّر والاضطراب.

إنّ لبنان المجروح، والذي تذخرُ آمالُه بالمُنجزات غير الاعتياديّة التي يحقّقها الأشقّاء الخليجيّون، لم يعدْ يفتقد لِأُناسٍ "تاريخيّين" في القيمة، والمساعدة، يقفون الى جانبه دَعماً بلا مِنّة، في حين أنّ أكثرَ المنكفِئين البعيدين عن أخلاقيّات الخليجيّين، أشبعوا البلدَ خُطَباً إنشائيّة، وقد تآكلَ وعودَهم الرّياءُ وصدأُ عدم الاكتراث.

من هنا، فإنّ لبنانَ الذي يحظى بالعنايةِ النّاشطة التي يوفّرها له أشقّاؤُه الخليجيّون ذَوو اليُمنِ والبَركة، لا خشيةَ عليه من أن تحزَّ عنقَ مصيرِه سكّينُ الحاجة، أو أن تستمرَّ آفاتُ التّدهور في دَكِّ كيانِه.

إنّ إصرار الخليجيّين على استعجال أن يحظى لبنان بالسّلام، وبخلاصٍ نهائيّ من القلق والخوف، لاستعادة الدّولة دورَها السياديّ على كامل مساحة الوطن بقواها الشرعيّة، ليس إِصراراً مرتبطاً بمصالحَ أو ببسطِ نُفوذ، كما يظنُّ السّاذجون أو جماعة الدّويلة المشبوهة.

فإصرار الخليجيّين هو في عمقِ اهتمامهم بلبنان، لا على هامشه، وهو راسخٌ في وجدانهم لا فوقَ الشِّفاه، يتجلّى في مَدِّ يدِهم لشَدِّ عزائمِ اللبنانيّين، وتمتين أملهم بالخلاص.

ولا ضَيرَ في إعادة التّذكير بالمساعدات الإغاثيّة والتّنمويّة والتعليميّة والماليّة المباشرة، وإعادة الإعمار، ودعم قطاعات الإنتاج، وتحديث البنية التّحتيّة، وتطوير المَرافق، وسوى ذلك، والتي تلقّاها لبنانُ في المُلِمّات والمنزلقات الخطيرة، وما أكثرَها، لا سيّما بعد الحروبِ العبثيّة، وجريمة تفجير مرفأ بيروت وهي أعظمُ الكوارث.

لا أسوارَ خفيّة بين لبنانَ ودُولِ الخليج عموماً، لا سيّما مع الكويت النّبيلة، فالعلاقةُ مع الأشقّاء الأَقحاح تبلغُ من العمق والنّقاء والقوّة، رتبةً متقدّمة، نابضةً بالمحبّة والأخوّة، والتّقارب والتّضامن والتّفاعل.

فهذه المجانسة تَشكّلَت بالتّواصل، وبتعزيز التّلاقي والرّوابط، وصَونِ الخصوصيّات، وبناء الاحترام المتبادَل، ما أكّد على مصداقيّة هذه المجانسة، وأدّى الى نظرةٍ خليجيّة إيجابيّة تجاه لبنان، تجلَّت بالاهتمام الداعم، والمساندة المستمرّة، والوقفة المشهودة، والتي يقابلُها اللبنانيّون كلُّهم بقولِهم: "شكرا من القلب".

كاتب-استاذ جامعي لبناني

آخر الأخبار