ارتياح شعبي ورسمي لـ"إبدال" عقوبات "المرور"
- اللواء ناصر العنزي لـ"السياسة": خطوة تصحيحية نرجو أن تقوِّم سلوك المخالفين
- محامون لـ"السياسة": القرار إنجاز متقدم نحو تحقيق العدالة الإصلاحية
- 11 الف قضية مرورية في المحاكم خلال الأشهر الستة الماضية
منيف نايف وجابر الحمود
خطوة طال انتظارها على طرق الكويت المزدحمة، وبعد أن أصدر النائب الأول لرئيس مجلس الوزراء ووزير الداخلية الشيخ فهد اليوسف قراراً يضيف المادة (212 مكررا) إلى اللائحة التنفيذية لقانون المرور (القرار الوزاري رقم 81 لسنة 1976)، بدا أن العدالة الإصلاحية وجدت طريقها إلى الحياة اليومية للمواطنين والمقيمين. القرار، الذي نُشر في الجريدة الرسمية الكويت اليوم الأحد الماضي، لا يكتفي بالعقوبات التقليدية، بل يفتح الباب أمام بدائل إنسانية تمنح المخالفين فرصة الإصلاح عبر الخدمة المجتمعية، من تنظيف المساجد والحدائق إلى المشاركة في حملات التوعية المرورية.
عقوبة بحلة جديدة
وستصبح المحاكم قادرة على استبدال عقوبة الحبس بأنشطة تهدف إلى تهذيب السلوك وتعزيز الانضباط، مثل تنظيم المواعيد في وزارة الصحة، ترتيب المصاحف في المساجد، المساهمة في توزيع المساعدات الاجتماعية، زراعة الأشجار، العمل بمحطات الوقود، وصبغ الأرصفة. وفي حال رفض المخالف أو تقاعسه عن التنفيذ، تعود العقوبة الأصلية: السجن. وهنا تتجلى جدية الدولة في تحقيق الردع مع إعطاء فرصة ثانية.
أصوات الخبراء
كان رأي اللواء المتقاعد ناصر العنزي أن القرار يمثل "خطوة تصحيحية وصائبة تهدف إلى تقويم سلوك المخالفين وتعزيز الانضباط على الطرق"، مشيراً إلى أن العقوبات البديلة، مثل برامج التوعية أو الخدمة المجتمعية في وزارات الدولة، تسهم في تحسين السلامة المرورية وتقليل المخالفات الناتجة عن قلة الوعي أو الإهمال. وقال لـ"السياسة" إن "تكثيف الحملات التوعوية الموجهة للوافدين ضرورة، إذ يشكلون نسبة كبيرة من المخالفات اليومية".
أما المحامي عبدالمحسن القطان فاعتبر أن "العقوبات البديلة تحقق هدفين رئيسيين: تخفيف الضغط على السجون، ومنح المخالف فرصة لإصلاح سلوكه من خلال المساهمة في خدمة المجتمع". وقال لـ"السياسة" إن "إشراك المخالفين في حملات التوعية المرورية يعزز الثقافة القانونية ويحد من الحوادث".
من جانبه، رأى المحامي علي مطر الواوان أن نجاح التجربة يعتمد على “آليات التنفيذ والرقابة الصارمة لضمان التزام المخالفين بالمهام الموكلة إليهم”. وأضاف لـ«السياسة» أن “تكامل الأدوار بين وزارات الداخلية والصحة والتربية والبلدية والأوقاف يمثل شرطاً أساسياً لضمان الفاعلية".
الإصلاح بالخدمة لا بالزنزانة
صوت الشارع لم يكن بعيداً عن القرار الجديد، فقد عبّر مواطنون عن ارتياحهم مؤكدين أنه يمثل خطوة إصلاحية طال انتظارها، تتماشى مع التجارب العالمية وتحقق ردعاً أكبر من الحبس التقليدي. ورأوا أن الخدمة المجتمعية تمنح المخالف فرصة لاستعادة إحساسه بالمسؤولية وتغرس في داخله ثقافة الانضباط.
بعض الأصوات ذهبت أبعد من ذلك، معتبرة أن إلزام المستهترين بأعمال ملموسة كتنظيف الشوارع أو صبغ الأرصفة سيترك أثراً مجتمعياً لا تحققه الغرامة ولا يقوى عليه الحبس، إذ يرى الناس بأعينهم المخالف وهو يعوّض المجتمع عما أضاعه باستهتاره.
آخرون شددوا على أن هذه التجربة ستعزز مفهوم العدالة الإصلاحية وتفتح الباب لوعي مروري أفضل للأجيال المقبلة، داعين السائقين جميعاً إلى الالتزام بالقانون، فالقواعد ليست مجرد نصوص بل ضمانة لحياة آمنة على طرقات الكويت.
أرقام تكشف حجم التحدي
كشفت إحصاءات صادرة عن وزارتي العدل والداخلية صورة دقيقة عن حجم القضايا المرورية في الكويت خلال النصف الأول من عام 2025، لتظهر الأرقام أكثر من 11 ألف قضية أمام المحاكم وما صاحبها من غرامات وأحكام وعقوبات، بما يعكس خطورة الوضع وأهمية القرارات الجديدة التي تستهدف الانضباط على الطرق.
إصلاح الضرر وآليات التنفيذ
نصت الفقرة الخامسة من القرار الجديد على آليات واضحة لإصلاح الضرر، إما عبر رد الشيء إلى أصله أو جبر الضرر بإصلاحه. كما ألزمت الفقرات التنفيذية إدارة تنفيذ الأحكام والمرور بمتابعة التزام المخالفين، وإعادة الملف للمحكمة في حال الإخلال بتنفيذ العقوبة.تنفيذ الأحكام
مخالفات جسيمة
ومن أبرز المخالفات التي قد تقود إلى الحبس من سنة إلى 3 سنوات، أو الغرامة من 600 إلى 1000 دينار (أو إحداهما): تجاوز الإشارة الحمراء، القيادة برعونة، تنظيم سباقات في الطرق العامة، الوقوف في أماكن ذوي الإعاقة، قيادة البقيات في غير مواقعها، استخدام المركبة لنقل الركاب، وتجاوز السرعات المحددة. وفي حال الصلح تُفرض غرامة ثابتة قدرها 150 دينارا
مواقع الاستهتار تختفي
منذ بدء تطبيق التعديلات المشددة في أبريل الماضي، تغيّر المشهد على الطرقات التي كانت حتى وقت قريب مسرحاً للاستهتار والرعونة. فطريق الصبية وكبد ومزارع الوفرة، التي اعتاد المستهترون تحويلها إلى ساحات سباق ليلي، بدت اليوم هادئة وخالية إلا من حركة السير الطبيعية. العقوبات المغلظة والحملات الأمنية المكثفة لم تكتفِ بردع المخالفين، بل خلقت واقعاً جديداً جعل هذه المواقع، التي كانت رمزاً للفوضى، خاوية على عروشها.
حملات لا تهدأ
وفي هذا السياق، أكد مصدر أمني لـ"السياسة" أن الإدارة العامة للمرور تواصل حملاتها المكثفة في جميع المحافظات وعلى مدار الساعة، مشيراً إلى أن هذه الحملات لا تهدف فقط إلى تحرير المخالفات وإنما إلى ترسيخ ثقافة مرورية جديدة تقوم على الانضباط والالتزام بالقانون. وأوضح المصدر أن الدوريات المرورية انتشرت بشكل أوسع منذ دخول التعديلات الجديدة حيز التنفيذ، ما ساهم في تراجع ظاهرة الاستهتار والرعونة على الطرق السريعة والمناطق المكشوفة، لافتاً إلى أن الحملات لن تتوقف، بل ستستمر ضمن خطة شاملة تستهدف جميع الفئات، لضبط المخالفين وحماية الأرواح والممتلكات.
الانضباط والإصلاح
الرسالة التي أرادت وزارة الداخلية إيصالها واضحة: "الانضباط بدلاً من الفوضى، والإصلاح بدلاً من الزنزانة". فالعقوبات البديلة لا تعني التساهل بقدر ما تعكس وعياً جديداً يربط بين القانون والمجتمع، ويحوّل المخالفة من عبء على السجون إلى فرصة لتقويم السلوك وخدمة الناس. وبينما تتواصل الحملات الأمنية المرورية بلا توقف، يبقى الرهان الأكبر على وعي السائقين أنفسهم، فالقانون مهما اشتد لا يكتمل أثره إلا بالتزام الجميع.
المحامي عبدالمحسن القطان
اللواء متقاعد ناصر العنزي