كمواطنين نشعر بالفخر أن الكويت يطلق عليها بلد الانسانية، كما نفتخر بالقضاء الكويتي النزيه، الذي قال عنه صاحب السمو أمير البلاد الشيخ مشعل الأحمد: "إننا نعتز بأن لدينا في القضاء الكويتي قامات يزهو بهم الوطن وأبناؤه وترفع بهم الهامات".
وحتى لا تكون هناك نقطة ضبابية اللون في ثوب العدالة الكويتية ناصع البياض، أتطرق لموضوع زيادة الرسوم القضائية، التي أقرت بقانون رقم 78 لسنة 2025 المتضمن تعديلات جوهرية على قانون الرسوم القضائية، بهدف ردع الدعاوى الكيدية، وضمان جدية التقاضي.
لكن بحكم عملي كمحام أخشى انعكاس تلك التعديلات على حياة العاجزين عن دفع الرسوم، لاسيما أن قضايا الأسرة التي تمس مباشرة حياة الأطفال والأمهات، وكبار السن، تتطلب الحل العاجل لوضعهم في ظل زيادة الرسوم القضائية.
وبحكم عملي ألمس معاناة تلك الفئات الضعيفة المغلوب على أمرها، ولهذا سأتعرض لثلاثة نماذج كأمثلة لإيجاد مخرج لها بصورة عاجلة: أولها، هناك أطفال تجاوزت أعمارهم الخامسة عشرة سنة، ويرفض آباؤهم، عمداً، الإنفاق عليهم، فاضطرتهم الظروف المعيشية الصعبة لطلب نفقة موقتة لتعينهم على العيش الكريم، فهل يعقل أن تزداد الرسوم القضائية وهم في حاجة ماسة للمال؟
وقبل طرح النموذج الثاني، أود الاشارة إلى أن عدد الأمهات غير الكويتيات في البلاد يزيد عن 30 ألفا، وفقا لإحصاءات الهيئة العامة للمعلومات المدنية، ومن هذا المدخل أرى أن الأم غير الكويتية التي ترعى أطفالها، بعد طلاقها من زوجها الكويتي، من المؤكد سترهقها زيادة الرسوم القضائية، لاسيما أنها لا تجد لها سنداً في البلاد سوى عدالة المحاكم، ولهذا لجأت لطلب حضانة ونفقة لأبنائها، في حال توقف والدهم عن الإنفاق عليهم بلا سبب.
النموذج الثالث، فلنفترض امرأة عجوزاً من فئة غير محددي الجنسية بلا راتب، وابتُليت بأبناء عاقين يرفضون إعالتها، أو تأمين مسكن لها، فاضطرت للجوء للقضاء، فماذا ستفعل هذه العجوز المسكينة في زيادة الرسوم القضائية؟
هناك نماذج وحالات عديدة أخرى يصعب سردها في هذه المقالة، وإن كنا نتفق تماما مع ضبط كيديات التقاضي، لكن في الوقت نفسه لا ينبغي أن تتحول الرسوم من وسيلة لضبط الكيدية إلى عائق يحول دون وصول المحتاج إلى القاضي.
وإذا كانت هناك بالفعل لجنة قضائية تفحص، وتثبت من يستحق الاعفاء في الرسوم القضائية الجديدة، لكن الاشكالية في طول المدة الزمنية لاثبات من يعجز عن السداد، لاسيما أن عامل الوقت يؤدي دوراً كبيراً في حياة هؤلاء الضعفاء. والحل الإعفاء الصريح للفئات التي تعجز عن سداد الرسوم القضائية، أو على الأقل تأجيلها لما بعد صدور الحكم، على أن يلزم بها من امتنع عن النفقة، وبهذا نُبقي أبواب القضاء مفتوحة أمام من لا ملجأ لهم إلا القانون.
محام وكاتب كويتي