الخميس 30 أبريل 2026
31°C weather icon
logo-icon
تم نسخ الرابط بنجاح
لبنان والزمنُ 'الرّديء'
play icon
كل الآراء

لبنان والزمنُ "الرّديء"

Time
الخميس 04 سبتمبر 2025
د.جورج شبلي

عندما يَروي أحدُ العناجهةِ عن لبنان، في زمنِ المستقوين الأشاوس، وكأنّه الزّمن الجميل، نشعرُ أنّ الوطنَ نهضَ، بفضلهم، من الحضيضِ، أو عادَ من الموتِ سالِماً، فهو، أي العَنجهيّ، يقفُ موقفَ المُهَنِّئِ دابِغاً جِلْدَ كلامِهِ، وكأنّهُ يرسمُ النَّطقَ بلغةِ الماءِ قبلَ أن تُدركَهُ المُلوحة.

ويتابعُ العنجهيُّ شهوتَهُ إلى الثَّناء، فيستمطرُ الحَمدَ والشّكرانَ لواحِدي زمانِهم من المستقوين الذين، لولاهم، لَما بقيَ من الوطنِ شيء، فإِقدامُهم، وبسالتُهم، لَذَّعا أعداءَ لبنان، وكان للخَوفِ في قلوبِ هؤلاءِ نَصيب.

ما لَفَتَني، في كلامِ العنجهيِّ، الأسلوب المَلحميّ الذي جعل المستقوين أبطالاً أسطوريّين يأتون أفعالاً خارقةً لا تُنسَبُ إلّا لِأَشباهِ الآلهة.

ورأيتُ، من واجبي النَّقديّ، أن أتفقَّدَ هذا الافتتاحَ الذي جعلَ الممدوحين نُزَلاءَ التفوّقِ، وأصبحوا مَزاراً وطنياً، بل قوميّا، واستطاعوا أن ينتشلوا جَبهةَ الأمّةِ، بأسرِها، من التّراب، فَلَو لم يفعلوا "لَأَكلَتِ الثَّعابينُ أهلَ مصر" كما قالَ الثَّعالبيّ، من زمان.

وبعد مراجعةِ أحوالِ وطنِنا الذي خُطِفَت منه الشّمس، في زمنِهم "الرديء"، هالني أنّ وطني مَشى على الشّوك، وتَغَرَّبَ عن رائحةِ الأيامِ السّالفةِ المُتوهِّجةِ فرحاً، وحريّةً، وعَملَقَة. فبعدَ أن كانتِ الدّنيا تمشي خلفَ لبنان، وهو المرفأُ الفينيقيُّ الذي لا يُطوى له شِراع، وتَسابقَ إليهِ القريبُ والبعيد، غطّاهُ رَمادُ زمنِهم "الرديء" وكأنّه رَميم، ما أَجبرَنا على التَيَقُّنِ، ورَّغمِ مِنّا، أنّ هذا الوطنَ لم يُنذَرْ إلّا للتَّلاشي.

وإذا عُدنا الى المدحِ الانبطاحيّ، وهو أَقتَلُ الخطايا في عدمِ تَذَكُّرِ الكرامة، فالمادِحُ، هذا، يُشبِهُ السّاذجَ الذي يرمي حَجَراً ولا يهتمُّ إلّا بالمدى الذي يبلغُهُ، أو يُشبِهُ شعراءَ الظلِّ الذين يستثمرونَ كلَّ ما لديهم من حِياكةٍ ضجيجيّةٍ للتَّقريظِ والتَّفخيم، وكأنّهم لا يَعلَمون أنّ ما يُهرِقونَه من إسفافٍ وحَشوٍ لن ينعَجِقَ به ذَوو العقل، فليسَ به أَدعيةٌ تُسمَعُ ولا عِلمٌ يَنفع.

وكان الأَفيَدُ لهذا العنجهيِّ أن ينخرطَ في جوقِ قَوّالين، فلربّما خفَّف انخراطُهُ عن النّاسِ بعضَ كُربةِ الأيام، وإِنْ بهَزْلِهِ الباهت.

أمّا المستقوون الذين يتولَّونَ حيثيّةً عُنفيّةً في بَلَدٍ مُتهالِك، فمن الطبيعيِّ ألّا تكونَ رفاهيّةُ الفرح، في زمنِهم "الرديء"، هي المُستَوليةَ على قلوبِ النّاسِ، وإذا رُفِعَتِ السّتارةُ عن زمنِهم، هذا، برز ما يختفي وراءَها من عُيوب، ومن أداءاتٍ محفوفةٍ بالألغام، ومن انكشافٍ فاضحٍ لمؤامراتٍ فتّاكة، ومن إخضاعٍ للقهر، ومن سَطوِ على الحريّات، ليبدوَ الوطنُ مملوكاً، لا كفالةَ له مع الخبزِ "الطّاهر"، ولا يحوزُ على حقِّ الفُرقةِ بين السّيادةِ والارتهان.

هل هذا، بالذّات، هو زمنُهم "الجميل" الذي يُجبَرُ الوطنُ على هَضْمِه، والمَشيِ على أسلاكِهِ الشّائكة؟

إنّنا لا نعتبرُ زمنَهم ضَرَراً جانبياً بِقَدرِ ما نرى فيه غَزوةً لتَصغيرِ تاريخِ لبنان، ولفَكِّ ارتباطِهِ بزادِ الحضارة، وتَكليسِ دورِهِ بريادةِ الحريّةِ والحقوق... كلّ ذلك لزَجِّهِ في حالةٍ انزوائيّةٍ تُمَهِّدُ لمصادرةِ كيانِهِ والهويّة.

وما ترويجُ شعاراتِ المُتَّحَدِ الوطنيّ، والشَّراكةِ الواعية، ولبنان وطن نهائي لجميعِ أبنائِه، سوى غطاءٍ لسيطرةٍ طارئة رهنَتِ البلادَ لجهنَّم، ولمسرحِ عملٍ مُنَظِّمٍ لثوابتَ إيديولوجيّةٍ تُدَفِّعُ لبنانَ أكلافاً باهظةً على مستوى وجودِهِ الحُرّ، وجذورِه التاريخيّة، وتَمَيُّزِ أهلِهِ، وحيويّةِ مقدّراتِه.

وهكذا، يَقبل الاستجارةَ بِمَنْ وراءَ الحدود، يتلوّنُ بألوانِهم، ويرتدي مزاجاتِهم، ويهلِّلُ لوصايتِهم، ويشقُّ طريقَه، بهم ومعهم، الى انعزالٍ عن العَصرَنةِ والنّهضة والتقدّم.

إنّ زمنَ لبنانَ الجميل، هو زمن نضارةِ الحياة، وزمن اختراقِ مَحافِلِ العلومِ والفنونِ والفِكر، وزمن تَحوُّلِ الوطنِ جسراً بين أسرارِ المعارفِ واليقظةِ العقليّة، وزمن الاحتكاكِ بالتياراتِ الثقافيّةِ الكونيّة، وزمن الاطّلاعِ على آثارِ الشُّعوبِ وناتِجِ الحضاراتِ وصَفوةِ المدنيّات، وزمن الإدهاشاتِ في الشِّعرِ والموسيقى والرَّسم.

نعم، هذا هو، بالذّات، الزمنُ الحقيقيُّ الجميل الذي أَنِسنا إليه، ونأنسُ. أمّا التَقَوقُعِ في سراديبِ الانحطاط، وتَبَنّي ثقافة الموتِ، فليسا سوى شاهِدٍ على الجهلِ، والضلال، والقَحط، والعَتمِ، وتأصيلِ التخلّف، وما ذلك إلّا المحنةُ الكبرى التي لن نرتضيَها.

لبنانُ، في زمنِهِ الجميل، كان زينةً مُطَرَّزَة، تابعَ مَركبُ ريادتِهِ المنطقةَ فَصلاً بعدَ فصل، الى حيثُ استطابَ الرُّسُوَ عارِضاً آياتٍ موصوفةً جَبَرَت عَرَجَ ما حولَه.

واليوم، وبفضلِ زمنِهم "الرديء"، يقفُ لبنانُ موقفَ الآسِفِ على أيّامٍ هَوَت بعدَ اعتلائِها، وانكمشَت في أعطافِ طَيشٍ مُؤذٍ حوَّلَ لبنان غيرَ لبنانَ، وباتَ شعبُهُ بحسرةِ الخائب، فبعدَ أن بنى ناسُهُ أمجادًا فوقَ عَدَم، كدَّسوا، في زمنِ المستقوين عَدَما فوقَ أمجاد.

كاتب واستاذ جامعي لبناني

آخر الأخبار