السبت 02 مايو 2026
27°C weather icon
logo-icon
تم نسخ الرابط بنجاح
قطرات الذكريات
play icon
كل الآراء

قطرات الذكريات

Time
الأحد 07 سبتمبر 2025
د.سامي العدواني

رحل والدي، رحمه الله، في الخامس والعشرين من أغسطس الماضي، ومنذ ذلك اليوم تتساقط الذكريات عليَّ كما تتساقط القطرات، تكثفٌ وصدى، ثم غيابٌ يفسح المجال لذكرى جديدة.

لعلها حالة "اختمار" التجربة أخذتني لأكتب هذه السطور بعنوان "قطرات الذكريات"، محاولة أن أحفظ للحزن معناه، وأن أحوّل الفقد إلى نافذة على الحياة وحِكمها الدفينة.

كما تتدلى قطرة الماء على حافة الصنبور، تتكثف لحظةً بلحظة حتى تثقل ثم تهوي، كذلك تتوالى الذكريات في داخلي، لم تعد الذاكرة مجرى هادئاً، بل صارت قطرات متتابعة...تتزاحم، تلمع، تهوي، ثم تختفي تاركةً وراءها أثراً جديداً في صفحة القلب.

كل ذكرى هي قطرة لها بريقها ورنينها الخاص، بعضها ينهمر سريعاً، وبعضها يظل معلقاً في الفضاء الداخلي قبل أن يسقط، لكنها جميعاً حين تتراكم تصنع جدولاً من المعاني، تنعكس على حاضري، وتعيد رسم قوالب مسيري وطريقي.

وفي كل لحظة سكون أو غياب صخب، يتردد صدى تساقط القطرات... صورة وجه، ابتسامة عابرة، موقف حازم، أو صمت حكيم، فيكون لكل قطرة مغزى ومعنى يتجاوز حدود تداعي الذكرى.

لقد غدا والدي معلماً تفرّد في نهج تأديبه وتدريبه رغم أنه لم يقرأ كتاباً، ولم يخط يوماً درساً بيده، لكنه كتب فينا صفحات لا تمحى، وأملى علينا دروساً بالمعايشة لا بالتلقين.

كانت ستراتيجيته في الحياة أبسط من أي نظرية: التدين والعلم، وأن نتجلّد في وجه الألم، وأن نقتصد في القول، وأن يجعل من الفعل شهادة يومية على الكرامة والعزيمة.

أدركت بعد رحيله أن الموت لا يقطع الذكرى، بل يحررها، حينما يغيب الجسد، تظل الحكمة تتناسل من المواقف كما تتسلسل القطرات، كلما انبثقت ذكرى جديدة، بدت كأنها بريق من نجمٍ خفيّ، تعيد صياغة وعيي بالحياة والموت، بالوقت والجدوى. وهكذا، لم يكن رحيله انطفاءً بقدر ما كان انفتاحاً على بحر أوسع من التأمل.

القطرات التي تنهال عليَّ ليست كلها ندية بالحنين، بعضها مالحة بالوجع، وبعضها عكرة بما تركه الفقد من فراغ، لكنها مع ذلك تصبّ في مجرى واحد يربيني على الصبر، لقد تعلّمت أن الحزن ليس خصماً للوعي، إنما بوابته الأعمق؛ وأن الفقد ـ مهما اشتد ـ ليس نهاية النص، أرى بدايته الجديدة فينا نحن الذين نكمل المسير.

وحين تزامنت وفاته مع وجود والدتي في العناية المركزة، شعرت أن القطرات تشتد غزارتها، حتى كادت تغمرني، لكنني رأيت في تلك اللحظة أن معنى الحياة لا يُقاس بالمدى الزمني، بل بالقدرة على أن نستخلص من الشدة ما يُضيء الدرب، فكما تتجمع القطرات لتصنع نهراً، تتجمع الذكريات لتصنع فينا عزيمة جديدة.

إنني اليوم لا أكتب تأبيداً للحزن، ولا تحميلاً للأسى والهم أو تحويل المقالة إلى مأتم، إنني أحاول صون المعنى من التبديد. فأثمن ما أورثنا إياه الوالد كانت رؤيته للحياة، أن نواجهها كما هي، بأقل قدر من الخوف، وبأكبر قدر من الثقة، أن الليل لا يطول، وأن الفجر لا يطل إلا على من صبر بوعي ورضا.

تسقط القطرات، تتلاحق، تتجمع، ثم تذوب في نهر الحياة. وهكذا تتساقط ذكريات والدي في داخلي، تندمج في مجرى وجودي. وكلما أصغيت لوقعها، تذكرت أن أجمل ما يبقى بعد الرحيل هو أن نغدو نحن امتداداً لمن أحببنا، وأن نحيا كما عاشوا بصفاء القلب، ورسوخ المعنى، وطمأنينة الروح.

رحم الله الوالد، وحفظ الوالدة، وجعل من قطرات الذكريات سلسبيل عزيمةٍ نتقوّى به على الطريق، ونوراً يُضيء حاضرنا ويهدي مستقبلنا... شكر الله تعازيكم ولنتذكر عزاءنا الأكبر في القدس وفلسطين.

خبير استدامة

آخر الأخبار