الجمعة 01 مايو 2026
30°C weather icon
logo-icon
تم نسخ الرابط بنجاح
تنميتنا... سياق الاستدامة (1)
play icon
كل الآراء

تنميتنا... سياق الاستدامة (1)

Time
الاثنين 08 سبتمبر 2025
د.بدر عثمان مال الله

إن مجرد إعداد خطط تنمية، لا يعني أن التنمية تسير قدماً، ولا يقاس الإنجاز بالإنفاق، ولا يصح قياس الإنجاز بالمؤشرات الدولية، فالتنمية لها خصوصياتها الوطنية ومؤشراتها يتعين أن تعكس تلك الخصوصيات، ومهما تنوعت وتعددت تعريفاتها وتوصيفاتها؛ متوازنة، شاملة، حقيقية، متعددة الأبعاد، ففي حقيقة الأمر، أن التنمية هي التنمية، وكل إضافة لها هي استزادة، فالتنمية يتعين أن تشمل كل تلك الأوصاف، لكن، وتحتها خط، ينبغي أن تكون مستدامة، بكل أبعاد هذه الصفة.

ومؤشراتها يجب أن تعكس أبعاد وجوانب الإستدامة، وإذا غابت مقومات الإستدامة فلا تكون تنمية، والاستدامة في مفهومها المحدود كانت تقتصر على البيئة والاستغلال الأمثل للموارد الطبيعية، ومكافحة التلوث وأمور أخرى ذات صلة.

لكنها، مع أهداف التنمية المستدامة التي وسعت نطاقها الأمم المتحدة إلى 17 هدفاً 169 غاية، لتشمل جل، إن لم يكن كل، الإشكاليات التي تواجهها الدول النامية، مثل مكافحة الفقر والصحة والتعليم والمساواة بين الجنسين وغيرها، وبذلك أصبحت التنمية المستدامة مصفوفة تشمل كل جوانب الحياة، وضمان مستقبل آمن يتطلب الاجتياز الناجح لبنود هذه المصفوفة.

ومن ذلك الإطار، وبما يستجيب لمعطيات الواقع المعاش ومقتضيات الإستدامة، يبرز سؤال جوهري يشكل مدخلا مهماً للتنمية المستدامة، ومنه تتداعى قضايا أخرى ذات صلة، والسؤال هو: هل يمكن تحقيق أهداف التنمية وعلى كاهلها جبل إقتصادي يعج بالإختلالات، والتراكمات، والتحديات التي تتدحرج ككرة الثلج وتكبر عبر الزمن؟

إن التنمية، بطبيعة الحال، لا تتحقق أهدافها إلا من خلال منظومة فعالة للتخطيط الإنمائي؛ رؤية، خطط متوسطة الأجل، خطط سنوية، مشاريع وبرامج، وهذا من حيث الآليات، لكن من حيث المضمون، فإن التنمية يجب أن توجَّه لتحقيق نمو إقتصادي تشغيلي مستدام، وينبغي أن يفوق معدل النمو السكاني، وهذا بدوره لا يتحقق إلا في اقتصادٍ متعافٍ وخالٍ من التشوهات المالية والإختلالات الإقتصادية، وإن لم يكن كذلك، فإن التنمية، من خلال سياساتها ومشاريعها وبرامجها، يجب أن تكون موجهة لتصحيح ذلك، أي للإصلاح الاقتصادي والمالي، فالتشوهات المالية هي نتيجة لاختلالات اقتصادية والعكس بالعكس.

ولأن معالجة التشوهات والاختلالات هي شأن طويل الأجل، فيجب أن تكون الرؤية والخطط موجهة لذلك، وتأتي الأهداف الأخرى في السياق، وبهذا تبدأ التنمية طريقها نحو الاستدامة، لكنها لا تستكمله إلا بسياقات أخرى ذات صلة.

وأول هذه السياقات، إن المرسوم بقانون رقم 60 لسنة 2025 في شأن التمويل والسيولة يوفر للإنفاق الحكومي مساحة تمويلية بسقف إقتراضي يبلغ ثلاثين مليار دينار، ورغم أهمية مستهدفاته التنموية الستة (انظر القانون)، إلا أنه قد يحمل في الممارسة العملية سلبيات وإيجابيات، إذ يمكن أن يتأرجح بين كونه أداة بناءة تعزز دور الانفاق الحكومي في النمو من خلال إدارة جيدة ومحوكمة للدَّين وبين مخاطر الوقوع في "مصيدة الدَّين" في ظل غياب هذه الإدارة.

وهذا ما يتعين إدراكه حتى لا يكون الثمن باهظاً عند إستدراكه. والمسألة الأهم هنا هي أهمية وجود رؤیة واضحة لإستخدام الدَّين تجيب على أسئلة مهمة، وأهمها لماذا نقترض، وكيف سنسدد؟

وأن تكون لدينا القدرة على تحویل الاقتراض إلى وسیلة لنقل إقتصادنا من إقتصاد ریعي إلى منتج، فهذا ما يسعفنا من الخروج في مصیدة الدَّین، وهذه "المصیدة" تتلخص في الاقتراض ثم الاقتراض مجدداً لسداد الدَّین.

ورغم أهمية هذا التفویض القانوني للاقتراض، خصوصا أمام وكالات التصنیف الإئتماني والمؤسسات المانحة والمستثمرین، فإن الخشیة هي أن یتحول الاقتراض إلى تمویل للإنفاق الجاري.

خصوصا عندما يتهدد الميزانية عجز، وفي ظل عدم وضوح مشروع تنموي متكامل، وهو ما أشارت إليه وكالة "فيتش" للتصنيف الإئتماني بأن 70 في المئة من عجز الموازنة سيموَّل بالإقتراض، فالمستهدفات الستة التي تبرر المرسوم بقانون المذكور ينبغي أن تكون ضمن مشروع وطني متكامل والذي يتطلب تحقيقه إصلاحات إقتصادیة ومالیة هیكلیة، إذ یصعب تحقیقه في ظل مالیة عامة واقتصاد یعانیان من إختلالات هیكلیة، وينبغي أن یكون الدَّین العام أحد أدوات هذا الاصلاح، وسيتضمن الجزأين الثاني والثالث من هذه المقالة سياقات أخرى.

المدير العام السابق للمعهد العربي للتخطيط

آخر الأخبار