تنميتنا... سياق الاستدامة (3)
يواصل هذا الجزء من المقالة ما تناوله الجزءان الأول والثاني من سياقات مهمة تسهم في استدامة النمو والتنمية.
أما السياق الآخر والمهم للاستدامة فيتعلق باختلال التركيبة السكانية الذي هو بدوره ناتج عن اختلال سوق العمل، هذا إذا صح أن يطلق عليه سوق، فهو أقرب إلى مصدر من واردات قوة العمل منه إلى سوق يخضع للطلب والعرض، بناء على الأجر والجدارة. وإصلاح التركيبة السكانية لا يكون إلا بإصلاح اختلالات سوق العمل، فالاثنان صنوان لا يفترقان.
ونحن إذ نستورد سلعا وخدمات نستطيع أن ننتج معظمها، فنحن كذلك نستورد قوة عمل نستطيع أن نقوم بها، وهو ما يريحنا، ولا يرهق اقتصادنا، إذ تشير بيانات عام 2023 إلى أن تحويلات العمالة بلغت نحو 3.8 مليار دينار، وهو مبلغ معتبر رغم ضآلة نسبته من الناتج المحلي الإجمالي.
إن علاقة التنمية بالنمو الاقتصادي علاقة تبادلية، فلا تنمية دون نمو والعكس صحيح، واستدامة التنمية هي من جودة سياسات النمو، التي يتعين ألا تتعارض مع التفاوت المستحق في الدخل والثروة الناتجين عن الجدارة، كما يطلق عليه جوزيف ستيغليتز، الاقتصادي الشهير، لكن تُعارض التفاوت غير المستحق، وهذا ما ينبغي أن تقوم عليه استدامة التنمية، فتكون ثمارها متوازنة ونتائجها عادلة، وغير ذلك، فإن استدامتها غير ممكنة. إن سياق الاستدامة الذي لا يقل أهمية عما سبق، هو الحوكمة الرشيدة فهي ترتبط ارتباطا وثيقا بالنمو والتنمية، إذ أنها لا تكرس فقط الشفافية والعلنية والمساءلة، بل أيضا تعزز الأداء المؤسسي والبشري، بما يحسن استخدام الموارد و يرفع الإنتاجية.
و قد بينت الأزمة المالية العالمية عام 2008، وأزمات أخرى كذلك، أن المؤسسات والنظم المحوكمة جيدا تتلقى الصدمة وتتعافى منها بسرعة، وبأقل الخسائر والعكس كذلك صحيح.
وإذا كان القطاع الخاص، وخصوصا القطاع المصرفي، قد قطع شوطاً مهماً في طريق الحوكمة، فإن القطاع العام والإدارة العامة لا تزالان في بداية الطريق، واستدامة التنمية تتطلب التقدم فيه سريعاً.
إن سياق الاستدامة الأهم، وهو سياق السياقات المذكورة، هو التنمية البشرية، ولنا في تجارب الدول المتقدمة، وبعض الناشئة، أمثلة عديدة.
فقد خرجت اليابان من الحرب العالمية الثانية مدمرة تماما، وعانت مما لم تشهد له البشرية مثيلاً، وهو الضربات النووية التي دمرت كل شيء، لكنها لم تستطع تدمير الإنسان، فالياباني عاد فقاد عملية البناء حتى أصبحت اليابان ما هي عليه اليوم، وكذلك فعل الفيتنامي والسنغافوري والكوري، وذلك من خلال خطط وبرامج لبناء قدرات البشر ليمارسوا دورهم ببناء الحجر، وهنا تصبح التنمية البشرية عماد الاستدامة في النمو والتنمية.
وغني عن البيان، أن الاستثمار في التنمية البشرية، بكل مكوناتها، هو استثمار رأسمالي في الدولة والمجتمع، يضيف عاملاً فذاً للتكوين الرأسمالي، وتعتبر علاقة التنمية البشرية بالنمو الاقتصادي من أهم العلاقات في الاقتصاد المعاصر، ويستحيل تحقيق نمو اقتصادي، وتنمية مستدامة دون الاستثمار بالبشر، فالبشر عماد النمو والتنمية.
المدير العام السابق للمعهد العربي للتخطيط