ما وقع في الدوحة بالأمس القريب من هجوم إسرائيلي سافر ليس حدثاً عابراً، بل إشارة تنبّهنا جميعاً في الخليج إلى أن الأخطار قد تفاجئ أوطاننا في أي لحظة.
وهو جرس إنذار يجعلنا في الكويت، التي عُرفت بسقف الحوار الواسع، أحوج ما نكون اليوم إلى استعادة ذلك المناخ، وفتح المجال أمام العقلاء للحديث في القضايا الكبرى، الداخلية والخارجية بصراحة ومسؤولية.
الخوف الذي تزرعه الحكومات في صدور شعوبها لا يحميها، ولا يحمي الأوطان، بل يحوّل الدولة إلى جسدٍ مرتجف؛ فيه يرتعش المواطن من المسؤول، ويخشى الوزير من رئيس الوزراء، وهكذا، دوّامة يصبح فيها كل طرف أسيراً لخوفه من الآخر، فلا يبقى من الفعل سوى تنفيذ الأوامر بلا نقاش، ولا ابتكار، ولا تصحيح.
عندنا قضايا كثيرة كالقنابل الموقوتة، نراها ونصمت، لأن الكلام قد يُزعج مسؤولاً، أو يزجّ بالمتحدّث خلف القضبان بسبب كلمة قالها. وهنا يكمن الخطر، أن يتحول الصمت إلى ثاني أوكسيد الكربون في خيمة مغلقة؛ يخنق من بداخلها ببطء حتى الموت.
وهذا ما جعلني أستذكر حضوري قبل سنوات حلقة نقاش مهمة في العاصمة الاميركية واشنطن، حملت عنوان "مدى جهوزية الجيوش الخليجية للتصدي لأي هجمات محتملة".
ما دار في الحلقة كان كمرآة تكشف العيوب. تحدّث مسؤولون عسكريون وأكاديميون أميركيون عن جيوش الخليج من جوانب عدة. واستغربت بعد انتهاء الجلسة أن يُسمح لي بصياغة ملخص تنفيذي للنشر بالصحف يتضمن كل ما طُرح.
ردّ أحد رؤساء التحرير في الكويت مازحاً: "من صجّك، تبينا نتغدّى عدس كل يوم"؟ في إشارة إلى رفضه النشر خشية المساءلة.
وحين حملت التقرير إلى بعض القيادات؛ بدوا مصدومين أن ما يعدّونه أسراراً عسكرية كان مادة للنقاش العام في ندوات ومراكز أبحاث واشنطن، التي تؤدي هناك دور الدواوين عندنا.
حين يُمنَع التعدد في الرأي، قد يستفرد القيادي المجتهد بقراره فلا يجد من يصححه اذا اخطأ، فتتراكم المشكلات حتى تتحول إلى أزمات، ثم تتوالى مراجعة القرارات وتعديلها، أو إلغاؤها، في مشهد لا يصنع قيادة واثقة.
نحن بحاجة إلى ندوات عامة، وإلى مسؤولين يشاركون فيها ويظهرون على الشاشات بلا خوف او خجل؛ ليخطئوا فيعتذروا، أو يتحدثون فيُبهرون. أمّا الانعزال خلف قرارات مكتوبة، وابتسامات أمام الكاميرات، فلا يرسّخ سوى مشهد القيادة التنفيذية الضعيفة التي تخشى مواجهة الواقع.
نحن لسنا بلداً تحكمه ميليشيات متناحرة، ولا تُدار قراراتنا السيادية من وراء الحدود، ولا يفتك بنا صراع طائفي يبدّد الأعمار بين رصاصة وأخرى. الكويت وُلدت على عقد وطني جامع، وارتضت أسرة حاكمة اكتسبت شرعيتها من التاريخ، وظلت رايتها مظلةً للكويتيين جميعاً. ومن هنا، فإن الكلمة الصادقة ليست خصومة، بل واجب وطني يقي الوطن من الوهن.
أيُعقل أن نقول لمصاب بالسكري، وقد بدأت الغرغرينا في قدمه: "ما فيك إلا العافية"، هل ننتظر حتى تُبتر قدمه ثم نتحسر؟ إن قلنا لحكوماتنا "ما فيكم إلا العافية"، ونحن نرى العطب يتسلل إليها، فنحن لا نحميها، بل نخونها خيانة تُفقدنا جميعاً الأمان. أمّا النقد الصادق، وإن لامس الجراح، فهو دواء يُنقذ الجسد قبل أن يستفحل المرض، وإن كان طعمه مُرّاً.
لإخواننا في السلطة التنفيذية، هيئوا مناخاً للعقلاء ليتكلموا بحرية، وأعيدوا للكويت سقف حوارها الراقي. فقد بدأنا نفقد الحكمة والاتزان، وعمق التحليل وصدق المشورة، وحين يصمت العقلاء جميعاً لن يبقى سوى ضجيج المهرّجين وتشجيع المطبلين.