سمو الأمير الشيخ تميم بن حمد آل ثاني.
أكتب إليكم مباشرة، دون حواجز شكلية، أو وسائط لغوية. فالنهج القطري، كما خبرناه، لا يقتصر على الإصغاء إلى الآخر، بل يتقدّم خطوة أبعد بتحفيز تعدد الرؤى، وهو ما مكّن الدوحة من التعامل مع القضايا المعقدة بكفاءة لافتة.
ومن هذا اليقين، أوجّه هذه السطور إلى سموكم، مطمئناً أن سعة الأفق التي تميز مسيرتكم تتسع لنصيحة محبّ صادق، نصيحة لا تُلزم، لكنها تُخلِص.
استوقفني ما تفضلتم به في قمة الدوحة حين وصفتم بوضوح مطامع إسرائيل: "إن رئيس الحكومة الإسرائيلية يتباهى بأنه غيّر وجه الشرق الأوسط في العامين الأخيرين، ويحلم أن تصبح المنطقة العربية منطقة نفوذ إسرائيلية. وهذا وهم خطير".
هذا التشخيص الصريح، من على منبر قمة رسمية، وبهذا القدر من الوضوح، يمثل سابقة لافتة في خطابات القمم العربية، التي نادراً ما عرفت مثل هذه المباشرة.
إن خطورة المشروع الإسرائيلي لا تنعكس في أفعاله وحدها، بل أيضاً في واقعنا العربي. ففي الوقت الذي تُمنع فيه التظاهرات المؤيدة لفلسطين في أكثر من قطر عربي، تنطلق المسيرات في مدن الغرب، حيث يصرّ مواطنو أوروبا على التمسك بمساحة للتعبير عن قناعاتهم الإنسانية تجاه فلسطين، حتى في مواجهة حكوماتهم.
نراهم يتصدّرون البرامج الحوارية مدافعين بمنطق وحجة عن قضيتنا، بينما يبقى أبناء القضية في عديد من أوطاننا العربية بلا منافذ تتيح لهم ذلك، رغم أن الخطاب الرسمي يصدح بنصرتها. إنها مفارقة تكشف عمق الخلل، والمصاب الجلل.
سمو الأمير.
لقد استهلك العرب القنابل الصوتية في خطبنا وبيانات قممنا على مدى سبعين عاماً. كانت في السابق تُحدث بعض الأثر في الغرب، وتترك عظيم الأثر في نفوس شعوبنا، لكنها اليوم باتت أشبه بألعاب نارية معلومة التوقيت، يعرف الجميع أنها ستنطلق في ختام كل قمة، بضوء ودخان يتلاشيان سريعاً. فلماذا نواصل إطلاقها وقد فقدت أثرها، وفي المقابل، تصنع إسرائيل وقائع على الأرض دون رادع؟
كشف القُبح الحقيقي للعدو المحتل لا يحتاج إلى كيانات ضخمة، أو مليارات منفقَة كي نصنع أثراً. قوتنا تُستمد من تمكين الإنسان البسيط الصادق في كل بلدٍ حر، ذاك الذي يتحرك بدافع ضميره، ويتحمّل المشقة نصرةً لقضيتنا. فإذا مُكِّن هؤلاء من وسائل يسيرة، تحوّلت جهودهم إلى قوة تتجاوز الحدود.
فكم من أصوات أكاديمية تواجه ملاحقات قانونية وتحتاج مظلة تحميها؟ وكم من مراسلين وصحافيين اختاروا المجازفة بمستقبلهم المهني في سبيل نقل الحقيقة عن فلسطين وفضح جرائم الاحتلال؟ كم من جماعات شبابية تعاني لتأمين تمويل محدود لطباعة منشورات، ويافطات، تمنح مسيراتها هوية ورسالة واضحة ضد جرائم الكيان المحتل، وكم من صادقين يعجزون عن ثمن تذكرة قطار تنقلهم، بعد يوم عمل طويل، إلى مدينة أخرى للمشاركة في مسيرة سلمية تضاعف أثرهم، وتزيد الزخم؟
هذه التفاصيل الصغيرة، إذا مُكّنت، قادرة على صناعة وقائع جديدة، وأثر عالمي في السياسات لا تبلغه بياناتنا المطوّلة.
ولمن يطالب حكوماتنا بإطلاق الصواريخ على تل أبيب، أو بخوض حرب مباشرة مع إسرائيل، أقول إن الزحف نحو السراب لا يروي عطشاً. فلنكن واقعيين في تحديد ما يمكن فعله.
الضغط على إسرائيل ينجح حين يكون تكتيكياً، وذكياً، بأدوات مدنية وقانونية وإعلامية، لا سيما في الدول غير العربية، حيث يشكّل صوت الناخب قوة ضغط حقيقية على كل سياسي يتماهى مع أجندة الاحتلال.
إن تحذير سموكم نداء لنا جميعاً. وأنا على يقين أن دول الخليج، قادرة على أن تشكّل معاً رافداً لهذا النهج العملي. ومن الطبيعي أن تؤدي الدوحة دوراً ريادياً فيه، مستندة إلى تجربتها المميزة.
أكتبها اليوم مطمئناً أن سموكم سيقرأها بالروح التي كُتبت بها، نصيحة مواطن خليجي عربي مسلم يرى أن نصرة فلسطين، بالتوازي مع صون سيادة دولنا، تتحقق ببناء واقع جديد يفرض نفسه بالمرونة والذكاء، واقع تصنعه الأفعال، ويبدأ من الخليج الموحّد لتترسخ قوته.
إن تسويق الحقيقة أيسر علينا من محاولات الكيان المحتل لتسويق أكاذيبه.
فلنصنع واقعنا… حتى لا يُفرض علينا واقع الآخرين.
بدافع الحرص كتبت، وللتاريخ أشهدت. وبارك الله في جهود سموكم الصادقة.
Abdulaziz_anjri@