السبت 02 مايو 2026
28°C weather icon
logo-icon
تم نسخ الرابط بنجاح
التعليم المستدام... ورأس المال البشري
play icon
كل الآراء

التعليم المستدام... ورأس المال البشري

Time
الخميس 18 سبتمبر 2025
د.سامي العدواني

يشكل التعليم الجيد الركيزة الأعمق لأي مشروع حضاري يسعى إلى التنمية المستدامة. فليس من قبيل المبالغة أن نقول إن جودة التعليم تحدد مصير الأمم، وأن رأس المال البشري المؤهل هو المورد الأثمن الذي تملكه الدول.

ولعل الأرقام العالمية تعزز هذه الحقيقة؛ إذ إن نحو 74 في المئة من الناتج الاقتصادي العالمي خلال نصف قرن مضى كان ثمرة مباشرة للاستثمار في العقول، بينما لم تتجاوز مساهمة النفط والغاز 5 في المئة.

غير أن التحدي الذي يفرض نفسه اليوم ليس مجرد إتاحة التعليم أو زيادة معدلات الالتحاق، بل الانتقال إلى تعليم مستدام يجعل من التعلم عملية مستمرة ترافق الإنسان مدى الحياة.

هذا ما أشار إليه عدد من الخبراء حين أكدوا أن المطلوب هو إعداد متعلم قادر على التكيف، يمتلك أدوات التفكير النقدي، والتحليل، وحل المشكلات، ويتعامل بمرونة مع الأزمات، فالوظائف والمهن في القرن الحادي والعشرين تتغير بوتيرة أسرع من أي وقت مضى، ومن دون هذا النوع من التعليم سنكون كمن يُعدّ أبناءه لعالم قد انتهى بالفعل.

وفي السياق الكويتي، يظل التعليم قضيتنا الوطنية الأولى. فالأزمة الممتدة منذ ما بعد الغزو لم تعد تخفى على أحد؛ تدنٍ في كفاءة المعلم، غياب معايير دولية في كليات التربية، وتعثر مزمن في برامج التدريب المستمر.

إن إصلاح هذه المنظومة لا يتطلب اكتشاف حلول جديدة، بقدر ما يحتاج إلى إرادة جريئة، تنفذ ما هو معروف وواضح. من هنا تبرز الحاجة إلى رخصة مهنية للمعلم، وإلى كليات تربية معتمدة دولياً، وإلى نظام متكامل للتطوير المهني لا يتوقف عند لحظة التخرج.

لقد استطاعت الكويت في السبعينات والثمانينات من القرن الماضي أن تتصدر المشهد التعليمي إقليمياً، وأن تستقطب خيرة الكفاءات، وأن تعلي من مكانة التعليم والمعلم.

ولا تزال الفرص متاحة اليوم لاستعادة هذه الروح، فإن الفرق الحقيقي ليس في حجم التحديات، بل في مستوى الالتزام.

آنذاك، كانت الإرادة صلبة والرؤية واضحة، أما اليوم فنواجه تحديات مختلفة قد يفضي عدم مواجهتها إلى تراخٍ مؤسسي يضاعف أزمتنا.

من هنا فإن أي إصلاح جاد يتطلب إعادة الاعتبار للتعليم كقضية وطنية عليا، ولا يتحقق ذلك إلا بإطار قانوني يضمن الاستمرارية، كإنشاء مجلس أعلى للتعليم برئاسة رئيس مجلس الوزراء، مع تمكين مؤسسات مستقلة، مثل الجهاز الوطني للاعتماد الأكاديمي، والمركز الوطني لتطوير التعليم، ليضطلعا بدوريهما بعيداً عن البيروقراطية وضغوط المجاملة.

الكويت على أعتاب منعطف اقتصادي حاسم؛ فاستمرار الاعتماد على التوظيف الحكومي غير ممكن، وبحلول عام 2035، سيقتضي التوازن أن ينخفض عدد الموظفين الحكوميين إلى النصف تقريباً، وهو ما يعني أن تنويع الاقتصاد لن يتحقق من دون تعليم يعزز الاتجاه نحو صياغة إنسان يتجه صوب الإنتاج والابتكار.

إن التعليم ليس منشآت مدارس وجامعات فقط، بل حتمية بقاء وتنمية. وإذا أردنا مستقبلاً مزدهراً، فعلينا أن نعيد الاستثمار في الإنسان، بوصفه الثروة الحقيقية والضمانة الوحيدة لاستدامة مجتمع.

خبير استدامة

آخر الأخبار