إن ما سلف ذكره، في الجزء الاول من هذه المقالة، بالتركيز على الأمن الغذائي، لا يقلل، دون شك، من الأهمية الكبيرة للمخزون السترتيجي بسلعه المختلفة، لكنه يمهد للتمييز بينه وبين الأمن الغذائي ذي الأهمية الكبيرة، سواء في الأزمات أو في الأحوال العادية، والذي يعتبر المخزون مكونا من مكوناته، ويكتسب الأمن الغذائي أهمية خاصة لسببين.
أولهما: أنه مفهوم اقتصادي بالدرجة الأولى، ويتصل اتصالا مباشرا بالقطاعات الإنتاجية، وثانيهما: أن منطقتنا تكثر بها بؤر التوتر، وعدم الاستقرار والمخاطر التي تهدد النقل البحري، والبري، كما أنها عرضة لارتفاع وتيرة التضخم، وأسعار المواد الغذائية عالمياً، مما يستدعي أن يتم التعامل مع المخزون الستراتيجي في إطار ستراتيجية أشمل للأمن الغذائي.
ولمزيد من التوضيح والفهم، ينبغي التمييز بين المخزون الستراتيجي المبني على الواردات، وبين الأمن الغذائي المبني على الإنتاج الذي يتصل اتصالا كبيرا بالاقتصاد الحقيقي، وقدراته الإنتاجية.
فاعتماد المخزون الغذائي الستراتيجي على الواردات ينهك الميزان التجاري، ويقلل أهمية الصادرات فيه، ويستنفد العملة الصعبة، وأخطر آثاره أنه يكبح نمو القدرات الإنتاجية الوطنية، في حين أن الأمن الغذائي المبني على الإنتاج يسهم في دعم النمو، وتطوير وتصحيح سياسات النمو في القطاعات الإنتاجية، ويخفض الواردات، وما يترتب على ذلك من نتائج إيجابية.
من هنا فإن من مصلحة الاقتصاد والدولة، تحويل ستراتيجية المخزون إلى ستراتيجية للأمن الغذائي، أي من الواردات إلى الإنتاج، لأن مستلزمات هذا التحول عديدة، وعلى رأسها العامل الجيوستراتيجي. وبالقطع، فإن ذلك لا يعني الإكتفاء الذاتي، فهذا أمر صعب، لكنه يعني دعم النمو التدريجي لإنتاج الغذاء، والصناعات الغذائية، وفقا للقدرات الإنتاجية الوطنية.
و من نافلة القول، أن أسعار الغذاء تتأثر بعوامل عديدة، منها التضخم في الاقتصاد العالمي، والأزمات التي تعطل سلاسل الإنتاج والتزويد، وتكاليف الشحن، وكل من هذه العوامل قد ترفع أسعار الإمدادات الغذائية إلى مستويات غير متوقعة، فعلى سبيل المثال، ارتفعت تكلفة شحن الإمدادات الغذائية إلى الكويت نحو عشرة أضعاف، وفي الربع الأول من عام 2023 تضخمت أسعار المواد الغذائية نحو 7.5 في المئة على أساس سنوي، وقد ترتب على ذلك تكاليف باهظة يتحملها المستهلك.
وإذا كان ذلك يبين امراً، فإن أول ما يدل، أهمية تعزيز مقومات الأمن الغذائي، بالاعتماد على النمو التدريجي للقطاعات الإنتاجية، فالركون إلى الواردات والتجارة الداخلية المعتمدة عليها له آثار، وعواقب غير محمودة على الاقتصاد الوطني.
إن الخطوة الأولى في طريق الألف ميل تبدأ بإعداد ستراتيجية وطنية للأمن الغذائي، تهدف الى تطوير إنتاج غذاء محلي مستدام ممكّن بالتكنولوجيا لكامل سلسلة القيمة، وتكريس التقنيات الذكية في إنتاج الغذاء، وتطوير منظومة تصنيع وطنية شاملة للإنتاج الغذائي المستدام، وعلى قاعدة أن الأمن الغذائي الوطني يتجاوز، من حيث الأهداف والنطاق الإطار الخاص بالمخزون الستراتيجي المعمول به حاليا.
إن هذه الستراتيجية، إذا ما أُحسن اعدادها، ستكون مدخلاً مهما، ليس فقط في تحسين مقومات الأمن الغذائي ومؤشراته، كذلك في إصلاح وتطوير القطاعات الإنتاجية والوصول إلى مستويات مطمئنة في توفير الغذاء بجهود وإنتاج وطني، وتوفر مساحة واسعة وخصبة لنمو المشروعات الصغيرة والمتوسطة، ولا شك أن ذلك جزء مهم من الإصلاح الاقتصادي.
وينبغي ان تكون الستراتيجية المقترحة واقعية، ومبنية على دراسات، توضح أبعاد ومكونات الأمن الغذائي الوطني، ومنها تحديد حجم الاستهلاك المحلي من السلع الأساسية، واتجاهات الطلب على المنتجات الغذائية، وتحديد الطاقات الإنتاجية الكامنة في الاقتصاد، ومدى القدرة على الإنتاج والتصنيع، والسياسات والإجراءات الحمائية للمنتج الوطني.
وفقا لتعريف منظمة الأغذية والزراعة الدولية (فاو)، يعني الأمن الغذائي "تأمين الغذاء لجميع أفراد المجتمع، بالكمية والنوعية اللازمتين، للوفاء باحتياجاتهم بصورة مستمرة، من أجل حياة صحية ونشطة".
وفي هذا الإطار، فإن أهمية المخزون الغذائي الستراتيجي تتضاءل، ويبرز التحدي الذي يواجه الأمن الغذائي الوطني ويتمثل في قدرتنا على تطوير الطاقات الإنتاجية، ورفع مستويات الإنتاج تدريجيا وإحلاله بشكل مخطط، وتدريجي محل الواردات. ومن خلال ذلك، والانتقال التدريجي، يمكن تقليل الإعتماد على المصادر الخارجية وتعزيز الأمن الغذائي الوطني في المدى الطويل.
المدير العام السابق للمعهد العربي للتخطيط