الخميس 30 أبريل 2026
31°C weather icon
logo-icon
تم نسخ الرابط بنجاح
لبنان المتحوِّل من الوحدة إلى الاتحاد؟
play icon
كل الآراء

لبنان المتحوِّل من الوحدة إلى الاتحاد؟

Time
الثلاثاء 23 سبتمبر 2025
د.جورج شبلي

قيل: إذا أراد لبنان أن يتملّص من أنياب اللّهيب، الذي حوّل أيّامه سوداً، وعَطَب آمال أهله بمستقبل زاهر للأجيال القادمة، فلا فكاكَ له من صيغة الوحدة الهشّة التي أثبتت انفراطها، إلّا بتحوّله إلى صيغة الاتّحاد، وهذا أَدعى الى الاستقرار والأمان.

كان لبنان مَعاقلَ جماعات لجأت إلى ربوعه طلباً للحرية، ولإمكانيّة ممارسة طقوسها الإثنيّة والثقافية، من هنا، فرضَت التعددية نفسها، أو صيغتها على البلاد، وعاشت لمدى معيّن من الزّمن، ثمّ تحوّلت، بفِعل التدخّلات والعمالة، الى بؤرة للعصبيّة، والقبليّة، ذلك ما هدمَ مقولة "العيش المشترك"، وانفضح التّعايش بالتّلاعب، والرّياء، والتلوّن، والتّكاذب، والمساومة، والمسايرة العبثيّة، وسوى ذلك من طُرق سَحقِ الصيغة التي سُمِّيَت فريدة.

ولمّا كان هناك ألف زاروب لتضييع مفهوم الوطنيّة، وصار الانتماء انتماءات، ما جعل المجتمع مفكَّكاً، مقسَّماً، خاضعاً لإيديولوجيّاتٍ نقيضة لإيديولوجيّة الدولة، في كيانٍ تعاظمَت، حيالَ الارتباط به، ارتباطاتٌ مشبوهة لم تتأخّر لتصبح قَدَراً لا سبيل لتجنّبه، وسلوكاً ملازماً للتّعامل بين شرائح النّسيج الأَعرج. إنّ هذا الواقع قاد الى دراما وطنيّة، لأنه انحدر الى انتماء دون وطني، فأصبحت العصبيّات، والطوائف، والعشائر هي الملاذ، والسلطة، والكيان، وأصبحت الدولة باطلاً يتستّر بالحقّ.

إنّ النّظام التعدّدي، غير المأسوف على شبابِه في الأساس، لم ينجح في صَهر مكوّنات الوطن، فبدلاً من أن تكون المواطنة انتصاراً للكيان، وحضوراً متيناً بالقانون البارئ للشّروخ التي تُفسِّخ في النسيج الوطني، باتَت مشكلة نوعيّة أُخضِعَت لمسمّياتٍ غريبة، واشتُقَّت، على أنقاضها، بِدَعٌ شلّعت البلاد، وعمّقَت انقساماتٍ حملَت بذور انكفاء الوحدة، ورُصِدَت دعواتٌ الى الاتّحاد، أو الفيدراليّة، وحتى الى التّقسيم والفِرقة.

في استقراء ملامح هذه الصورة، نجد طعنةً لهالة لبنان الحضارة، ولكونِهِ ملتقى دروب الدّنيا، وللصَّهر في وحدة الكيان والمصير، ولنموذج التعددية المتّحدة والمنفتحة التي جعلَت، ولردحٍ من الزمن، منابتَ العصبيّات والطوائف في متناول يدها، إِن لم تكنْ في قبضتِها.

وبدا، في مقابل ذلك، مَدٌّ للانغلاق والانكفاء، ما شكّل حالةً من الاستقلال في كانتونات، أو مقاطعات متداخلة جغرافياً، وإِنْ غير مُعلَنة رسمياً، ربّما يناصبُ بعضُها بعضًا العداءَ، في المستقبل؟

إنّ هذا الإقبال على هذه الصيغة التي يبدو أنّ نهجَها انتقل، إلينا، بالعَدوى من بعض البلدان الاتّحادية، مثل سويسرا وأميركا وسواهما، قد أسهمَ في إذكائه سلوكُ فئاتٍ مستقوية تنهشُ مقدّرات البلاد، وتتقاعس عن إيفاء ما هو مطلوبٌ منها، ما يحمّل بقيّة المواطنين أعباء إضافيّة لا قدرة لهم عليها.

من هنا، بدأت الأصوات ترتفع مطالبةً، في البداية، بتنفيذ مقرّرات "مؤتمر الطّائف"، وفي طليعتها اللّا مركزية الموسّعة، ثمّ تخطّى الطَّلَب هذه العتبة، لينادي بالفيدرالية، والبعض بالتقسيم.

والحاصل أنّ لبنان، اليوم، يعرف، تماماً، أنّ التّقسيم هو أمرٌ سابقٌ لأوانه، لأنه مرتبطٌ، حكماً، بما يُحاك للمنطقة كلّها.

لذلك، راجَت أصوات تطالبُ بالفَدرَلَة أو "البديل الصّالح" كما أسماها بعضهم، وقد بُرِّر هذا الطّرح بواقع انفراط عِقد المجتمع اللبناني الذي انقسم، وعانى حروباً رهيبة، فلا يجمع أقسامه نَسَقا، أو وحدة عضويّة، فسقطت أسطورة الصّيغة الى غير رجعة.

وقد قال أحد السوسيولوجيّين إنّ هذه الصّيغة خرافة، أَسهمَ اللبنانيّ، من حيث يدري أو لا يدري، في نسجها حول نفسه، حجاباً يحول دونه، ودون اعترافه بحقيقة أنّ لبنان ليس واحد الهويّة، وواحد التطلّعات، وأنّ تعدّديّته ليست مفارقة ديناميّة في خدمة وحدته يستمدّ منها الثّبات، ورجاء القيامة من أيّامه السّود.

إنّ الحسّ الواقعي والعقلاني توسَّع في تفاصيل الأحداث، وبلا مسايرة، وتوصّلَ الى استنتاج أنّ شعب لبنان هو غير متجانس، بل مُتنافِر، ويعاني انقسامات حادّة، ومن السّذاجة القَول إنّ جميع الشّعب مؤمن بنهائيّة وطنِه، ومتمسّكٌ بأرضه، ومدافعٌ عن حياضه. فلا بدّ، إذاً، من إيجاد صيغة جديدة بديلة، تؤمِّن الاستقرار، وتحمي التنوّع، وتحافظ على الخصوصية.

في هذا المجال، برزت الفيدرالية حلاً موثوقاً، رّغم أنّ البعض لم يعتبر ذلك وصفة سحريّة، لكنّ تعقيدات التركيبة اللبنانية فرضت نفسها، فاستمرار الصيغة المعهودة، أي النّظام المركزي، لا فائدة منه، وبالتالي، ينبغي التوصّل الى نظامٍ يدير التنوّع، مع الحفاظ على وحدة الدولة، فليس هناك سوى الفيدراليّة، أو النظام الاتّحادي سبيلًا لافتتاح صفحة جديدة تنهي التدهور الدراماتيكي للوطن.

كاتب، أستاذ جامعي لبناني

آخر الأخبار