من التعليم إلى"التعلّم"، من التلقين إلى التفكير، أي من نموذج تعليمي تقليدي إلى نموذج "تعلّم" جديد، وهو ما أكدت ضرورته مشروعات وبرامج تطوير التعليم.
فقد كانت ثمانينات القرن الماضي مرحلة وعي بأهمية تحديث وإصلاح التعليم، ساهم في بلورتها ودفعها للأمام التطورات المهمة في نظم التعليم في اليابان ودول جنوب شرق آسيا، التي حققت تقدما اقتصاديا كبيرا نتيجة الاستثمار في رأس المال البشري، وبخاصة إصلاح نظم التعليم من خلال نقلها من التقليد إلى الحداثة، أي من نموذج قائم استنزف قدراته التطور إلى نموذج جديد يواكب العصر، ويستجيب لمتطلبات النمو الاقتصادي والتنمية الاقتصادية والاجتماعية.
وفي إطار ذلك، واستجابة له، وبوعي وطني لأهمية إحداث نقلة نوعية بنظام التعليم لمواكبة التطورات العالمية، خصوصا مع بزوغ فجر العولمة، توالت محاولات إصلاح التعليم بدءاً بمشروع المؤشرات التربوية، مرورا بستراتيجية التعليم ومشروع التقويم والقياس، وصولا إلى الدراسة الاستشارية بشأن نموذج إصلاح التعليم، التي تشرفت برئاسة فريق إعدادها.
وفي ثنايا ذلك كان العديد من البرامج والمشروعات التربوية. ورغم أهمية كل ذلك، فإن نتائجه كانت محدودة، وبقي نظام التعليم أسير نموذجه التقليدي.
ولعل مؤشر "دافوس" يبين ذلك، إذ كانت جودة نظامنا التعليمي بالمرتبة 101 بين 140 دولة عام 2021، والثامن عربياً، ولا شك أن لذلك دلالات مهمة، أهمها أن معالجة أوضاع التعليم كانت محاولات مجتزأة لتطوير التعليم، وليست برنامجاً شاملاً ومتكاملاً لإصلاحه من خلال تغيير النموذج القائم، والانتقال لنموذج جديد، وهذا بالضبط ما فعلته الدول المشار إليها أعلاه.
لقد بقيت جهود تطوير التعليم أسيرة النموذج التعليمي التقليدي القائم، والنقلة المطلوبة لتعليم عالي الجودة تتطلب بناء نموذج جديد والانتقال من التعليم إلى التعلم، والانتقال لنموذج "التعلم" ليس عملية سهلة، ويحتاج الى فترة زمنية ليست قصيرة، تتواصل فيها مراحل الانتقال للنموذج المطلوب.
إنها عملية إصلاحية معقدة ولها متطلبات عديدة، إلا أنها ضرورية و لابد منها، فإصلاح التعليم بهدف رفع كفاءة أدائه، وزيادة فاعلية مؤسساته وأساليبه، وضمان جودة مخرجاته، هو المدخل الرئيسي لتنمية الموارد البشرية وزيادة كفاءتها ومساهمتها في النمو الاقتصادي والتنمية الاقتصادية والاجتماعية. فالانعتاق من الحالة التنموية الحالية تستدعي، الى جانب الإصلاح المالي والاقتصادي، إصلاحاً جوهرياً في نظام التعليم.
إن المنهجية الناجعة تتطلب التمييز بين تطوير التعليم وإصلاحه، وشتان بين الاثنين، فالأول يركز على إحداث تغييرات جزئية بعناصر، ومكونات ضمن النموذج التعليمي القائم، أي يتعامل مع جزئيات ومكونات ضمن المنظومة القائمة، وقد خضع نظام التعليم لمبادرات تطوير لا تحصى منذ عقود، أملا في إحداث نقلة نوعية في أدائه، وكانت هناك محاولات عديدة من متخصصين، بمن فيهم البنك الدولي لتطوير التعليم من داخل المنظومة القائمة.
إلا أن ذلك لم يفلح ولم يؤدِ الى تحولات جوهرية، وقد أدرك البنك الدولي نفسه عدم جدوى ذلك، فالمطلوب ليس "تطوير" التعليم على النحو الذي تم وضمن نموذج غير فعال أصلاً، إذ أن ذلك لن يحدث أي تغيير جوهري يؤدي الى جودة عالية للتعليم. إن المطلوب هو "إصلاح" التعليم، و ليس تطويره، مهما كان لمفهوم الإصلاح من تشعبات.
إن منهجية إصلاح التعليم لا تتعامل مع جزئيات منظومة التعليم إلا بالقدر الذي يتطلبه الانتقال إلى نموذج آخر وإلى منظومة تعلُّم مختلفة، وعلى النحو الآنف ذكره.
إن الانتقال إلى نموذجٍ مواتٍ لجودة عالية للتعلّم يعني الانتقال إلى عناصر ومرتكزات الحداثة، وذلك لا يعني إطلاقا توجيه سياسات الاصلاح نحو علمنة نظام التعليم. والتحول للحداثة، وما بعد الحداثة، لا ينبغي الخشية منه على نحو غير مبرر قلقا على الأصالة.
فالحداثة هي منهج تفكير في حين أن ثوابت الاصالة منطلق للتفكير، وبالتالي فإن الأصالة تشكل منطلقا للحداثة. ونموذج التعليم الموجه للحداثة يهدف الى إطلاق حرية التفكير، والتفكير النقدي، وحرية الرأي في إطار الثوابت والقانون، والتعددية، واحترام الآخر، والتنوع ضمن الوحدة، والفكر التجريبي، وتأصيل دور العقل في تحصيل المعرفة إلى آخره من معطيات التفكير العلمي.
وبذلك يكون النموذج المستهدف متناسبا مع التطور الثقافي والفكري المعاصر ولا يتعارض مع الأسس الثابتة للأصالة.
إن كفاءة نظام التعليم وفاعليته في توفير الموارد البشرية اللازمة للتنمية تتطلب التركيز على موضوعية المعرفة، وتقليص التأثيرات الناتجة عن الملابسات الاجتماعية والسياسية إلى حدها الأدنى، وتوجيهه نحو متطلبات ومعايير الجودة، وذلك لأن نظام التعليم، أي نظام، عبر سنين تطوره، يكون مثقلاً بتلك الملابسات، الأمر الذي يحيد بالمعرفة عن الموضوعية التي هي محور المنهج العلمي للتعلّم الذي ينشده كل نظام تعليمي.
ويواصل الجزء الثاني من هذه المقالة عرض الخطوط العامة لنموذج "التعلّم".
المدير العام السابق للمعهد العربي للتخطيط