عرض الجزء الأول من هذه المقالة المنطلق المعرفي لنموذج جديد لإصلاح التعليم للانتقال لنموذج "التعلّم" الذي يكون فيه الطالب أساس العملية التعليمية، واللاعب الأساسي فيها، ويكون دور العوامل الأخرى؛ المعلم، المنهج، الإدارة المدرسية، دور المُيسِّر. إن النموذج المقترح نموذج كلي مركب من نموذجين فرعيين، وهو مستقى من أفضل الممارسات في إصلاح نظم التعليم، ويشتمل كل نموذج فرعي منهما على العناصر التي يتعين معالجتها في كل منهما.
ويهدف هذا النموذج الكلي إلى إجراء التعديلات اللازمة في كل إدارة قطاع التعليم والعملية التعليمية، والتقليص التدريجي من أثر وتحكم البيروقراطية في إدارة ذلك قطاع، وتعزيز التنافسية الداخلية فيه، والإنتقال بمكونات العملية (المعلم، الطالب، المنهج، الإدارة المدرسية) من أدوارها التقليدية الى أدوار جديدة اكثر فاعلية في تحقيق الجودة وتحفيز دور الطالب، ومن ثم الإنتقال بالعملية التعليمية من"التعليم"( Teaching) (التلقين) إلى
"التعلّم"( learning) (اكتساب المعرفة)، إذ يوجد فرق جوهري بين المفهومين.
أما النموذج الفرعي الأول، نموذج إدارة القطاع، فيهدف إلى إعادة تنظيم مكونات تلك الإدارة على نحو يرفع جودة وكفاءة أدائه، ويشمل ذلك التنظيم والإدارة، رسم السياسات، الرقابة والتقييم، تنظيم وتحفيز الاستثمار الخاص في التعليم، وتلافي سلبيات التنظيم القائم لإدارة القطاع، وإحداث تنظيم آخر يكفل التنافسية الداخلية ويعزز تنافسية قطاع التعليم.
إن تطبيق هذا النموذج الفرعي من شأنه أن يؤدي إلى ترشيق وزارة التربية وييسر تفعيل أدائها.
ويشمل هذا النموذج الفرعي الفصل التنظيمي والمؤسسي بين التعليم الحكومي والخاص من حيث الإدارة والتنظيم والإشراف، بحيث تتولى وزارة التربية مسؤولية الاول، وتتولى مسؤولية الثاني هيئة مستقلة عن وزارة التربية (هيئة التعليم الخاص) ينظمها قانون خاص، كما يشمل إعادة تنظيم وتفعيل المجلس الأعلى للتعليم ككيان مستقل، بحيث يتولى رسم سياسات التعليم من خلال قانون ينظم اختصاصاته ومهماته، وإعادة تنظيم وتفعيل مركز التقويم والقياس، ومنحه استقلالية نسبية بحيث يكون مُدققا ومُقيِّما لأداء كل من التعليم الحكومي والخاص ويكون مرجعية لتقييم الأداء والجودة، وهناك مؤسسات أخرى، لا يتسع المجال لذكرها في هذه العجالة.
أما النموذج الفرعي الثاني"عملية التعلّم"، فيهدف إلى إحداث نقلة نوعية من "التعليم" الى "التعلّم" أي من التلقين الى الاكتساب الذاتي للمعرفة، وهي نقلة نوعية مهمة لتمكين النظام التعليمي من رفع جودة أدائه ومخرجاته. وهدفه الأساسي الانتقال بالعملية التعليمية من نموذج يستند على دور المعلم في قيادة و إدارة العملية التعليمية( Teacher centered paradigm) إلى نموذج يستند على دور الطالب في عملية التعلّم( Student centered paradigm) بحيث يكون دور المعلم
" مُيسِّرا"(Mentor) لعملية التعلم.
ويترتب على ذلك تغيير في مكونات عملية التعلّم، وعلى رأسها، تعديل المناهج الدراسية وتحويلها من مصدر للمعرفة فقط إلى معرفة ووسيلة إرشادية وتوجيهية للطالب للتعلم واكتساب المعرفة، بما يحفز قدرات الطالب العقلية ونمط تفكيره نحو التعلم الذاتي وتطوير قدراته الإبتكارية.
كما يترتب على ذلك أيضا، تغيير نمط الإدارة المدرسية على نحو ينسجم ويستجيب لمتطلبات التعلّم، ويكون ذلك، بتغيير نمط العلاقة التقليدية (إدارة - طلبة) إلى إدارة تشاركية يكون فيها الطالب مشاركا ومسؤولا في عمليات الإدارة المدرسية (نمط الإدارة المدرسية في اليابان).
يتسم النموذج المقترح بالقدرة على التقدم والتغير المستمر لتلبية متطلبات واحتياجات الطالب من المعارف، كما يتسم بالمرونة اللازمة لتكيف الطالب مع المستجدات المعرفية على عكس النموذج التعليمي التقليدي المعمول به، الذي يتسم بالجمود لثبات مناهجه وأساليبه، كما يوفر هذا النموذج الفرعي مساحة كافية لتوظيف التقنيات العلمية والأساليب، والأدوات الحديثة في عملية التعلّم.
وإذا كان المعلم هو أساس عملية التعليم في النموذج التقليدي، فإن النموذج الجديد المقترح يقدم أسلوبا مختلفا للتعلم يكون فيه الطالب محور وأساس العملية التعليمية، وليس المعلم.
ففي النموذج التقليدي القائم يكون الطالب سلبياً، وينحصر دوره في تلقي المعلومات من المعلم، دون بذل جهد كبير في البحث، أما نموذج التعلّم المقترح فيحفِّز نشاط الطالب وفاعليته، ومشاركته في التعلم لأنه يعتمد على التعلّم الذاتي.
إن النموذج التقليدي للتعليم، المعمول به حاليا، يركز على الحفظ والاسترجاع في الامتحان ليحل محلها حفظ آخر يغيب فيه الترابط المعرفي، ويكون ذلك على حساب نمو مهارات الطالب وقيمه واتجاهاته.
كما لا يُعطي في الجانب المعرفي مهارات تحديد المشكلات، وحلها، والتفكير النقدي والإبداعي، وطرق الحصول على المعرفة، أما النموذج المقترح فيركز على صقل الشخصية، وبناء القدرات العلمية والمعرفية، وتعزيز أساليب حل المشكلات، وتنمية القدرات الإبداعية والتفكير النقدي.
من جانب آخر، تجدر ملاحظة أن الإسلوب التقليدي في تكليف الطالب بالواجبات المدرسية المنزلية ينهك قدرات الطالب، ويستنفد طاقاته، ولا يبدو أنه يرفع جودة التحصيل المعرفي، بقدر ما يحوّل العملية التعليمية إلى مصدر قلق وتوتر يومي لدى الطالب، ويحد من اندماجه بالمجتمع.
وعليه فإنه يتعين تقليص الواجبات المنزلية إلى حدها الأدنى، وتركيز هذه الواجبات على تعلم التجارب والممارسات الحياتية وأنشطة اكتساب الثقافة، والخبرات المجتمعية والعمل على دمجها بالمناهج، وبما يسهم في دمج الطالب بالمجتمع.
إن الانتقال لنموذج "التعلّم" المقترح ليس عملية سهلة فهي عملية إصلاح بنيوي، وتحتاج إلى جهد ومثابرة ووقت كاف حتى تؤتي ثمارها، فإذا كنا مقتنعين أن التعليم في وضعه الحالي ذو جودة مرتفعة، أو مقبولة، فلنترك الأمور على حالها وعفا الله عما سلف ذكره في هذه المقالة، أما إذا لم نكن مقتنعين بذلك فلنبدأ بخطوة الألف ميل نحو نموذج جديد.
المدير العام السابق للمعهد العربي للتخطيط