أصبح مصطلح "ركبنا الباص" في العامية الكويتية تعبيراً عن لحظة تُطلَق فيها وعود كبرى، فينقسم الناس بين مؤمن ومشكك، فإذا لم يتحقق الوعد وُصف من صدّقه بأنه "ركب الباص".
وبما أننا لا نزال في هذه الرحلة، يبقى الأمل أن يصل الباص إلى محطته الموعودة، حتى لا يُقال في النهاية إننا "ركبنا الباص".
لماذا الخوف والقلق؟
عند إسقاط هذا المصطلح على واقع مجلس الوزراء اليوم نجد أن إنصاف الحاضر بالنقد لا يعني تبرئة الماضي. فمجالس الأمة لم تكن مثالية، بل غلبت عليها الفوضى وتجاوز الصلاحيات والابتزاز، والثراء غير المشروع، حتى بدا بعض النواب وكأنهم حكام أقاليم لا ينقصهم سوى ميليشيا مسلحة، رغم أن التجربة أفرزت قلة من الأصوات العاقلة والمواقف المشرّفة.
واليوم، وبعد تعطيل المجلس لأكثر من سنة، يتمسّك كثيرون بتلك الأمثلة الإيجابية القليلة ليضفوا على مجلس الأمة هالة من الكمال. وفي ذلك قصور في النقد الذاتي.
وللأسف، مع كل تغيّر في المشهد ظلّ المواطن هو الضحية، وكأنه الشريك المباشر في صناعة القرارات التنفيذية، مع أنه أقرب إلى طفل يلحّ في طلب الحلوى، فيما القرار عند من يعطي، لا عند من يطلب، أي السلطة التنفيذية.
وإذا كانت الفوضى السابقة، وضجيج المجلس يمنعان مجلس الوزراء من استقبال الرأي الصادق والإنصات إليه، فما عذره حاليا بعد أن غاب المجلس، وأصبح يملك كامل القدرة على إدارة الدولة بلا اعتراض مؤسسي أو شعبي، ما الذي يمنعه من الإبداع في القرارات، وتصحيح الأخطاء، والاستعانة بمن يشاء؟
بناء الدولة يحتاج إلى جدل واعٍ وضغط نقدي رصين يُمكّن مجلس الوزراء من تمييز النصيحة الصادقة من المصلحة الضيقة ورسم المسار الأوضح. أما حين يُطلب من الناس أن يصمتوا وتُشاع ثقافة "مالكم شغل"، فالنتيجة بعض النجاحات، وكثير من الفشل وضياع الوقت.
غياب التواصل ليس قوة، بل ضعفا يختبئ خلف المكاتب المحصّنة بالأسوار العالية، وأكشاك الحراسة، والتصريحات الصحافية الجاهزة.
ما نحتاجه اليوم هو التوازن، فلا عودة إلى عبث الماضي، ولا استسلام لصمت الحاضر، بل ثقافة استماع لا ترى في كل رأي مختلف انتقاصاً من هيبة المسؤول، ولا تهديداً لاستقرار الحكومة.
وهنا يحسن التذكير بمبدأ سياسي راسخ أن المسؤولية بقدر السلطة. فالمواطن لا يُحاسَب إلا بقدر سلطته المحدودة، بينما تتعاظم المسؤولية مع ارتقاء مواقع النفوذ.
المطلوب أن يُعاد للناس حقهم في الكلمة، وأن تصبح المحاسبة مؤسسية لا مزاجية، وأن تُشرح القرارات قبل أن تُطبَّق، وتُراجع بمهنية قبل أن تُسحَب.
فلا تُدار الدولة وكأنها جهاز بيروقراطي يطبق النصوص بلا عقل يزن الفائدة والضرر، ولا عين ترى المكاسب والعواقب، ولا قلب يشعر بآمال الناس وآلامهم.
وختاما، أخطر ما يواجه أي مجلس وزراء ليس النقد، بل غيابه!
Abdulaziz_anjri@