في خضم التحولات الرقمية التي تشهدها الحكومات حول العالم، يتصدر الذكاء الاصطناعي المشهد، بوصفه أداة واعدة لإحداث نقلة نوعية في تقديم الخدمات العامة.
لكن في سعينا نحو التحديث والسرعة والكفاءة، هناك سؤال جوهري لا يجب أن نغفله: هل الأنظمة التي نبنيها تفهم البشر، وهل تُصمَّم لتخدمهم فعلاً؟
الذكاء الاصطناعي في القطاع الحكومي لا ينبغي أن يُختزل في كونه تقنية متطورة تُسرّع المعاملات، أو تُقلّل الكُلفة التشغيلية، في جوهره، هو أداة لإعادة تعريف العلاقة بين المواطن والدولة. ولهذا، فإن نجاح هذا التحول لا يُقاس فقط بالأداء، بل بالقدرة على بناء أنظمة تُراعي الكرامة الإنسانية، وتُعزّز العدالة، وتُجسّد مبدأ "الخدمة العامة".
أولاً، السرعة لا تعني الجودة. نعم، الذكاء الاصطناعي يستطيع تسريع الإجراءات، وتخفيف العبء عن الموظفين، لكنه لا يجب أن يستبدل التفاعل الإنساني.
المواطن يريد أن يُفهَم، لا أن يُحوَّل إلى رقم في نظام، التكنولوجيا يجب أن تكون وسيطًا يُسهّل لا حاجزاً يُجفّف العلاقة بين الدولة والناس.
ثانياً، الذكاء الاصطناعي الجديد أصبح أكثر استقلالية، نحن ننتقل من أنظمة تُنفّذ التعليمات إلى أنظمة تفكّر وتخطط وتتصرف. وهنا، تظهر الحاجة إلى الحوكمة.
من يراقب هذه الأنظمة، من يضمن عدم التحيّز أو سوء الاستخدام؟ لا يمكن أن نفصل الذكاء الاصطناعي عن المساءلة. لا تزال القرارات التي تؤثر على حياة الناس بحاجة إلى توقيع بشري.
ثالثًا، الشمولية ليست رفاهية. النماذج اللغوية، واجهات التفاعل، البيانات المستخدمة في التدريب، كلّها يجب أن تراعي التنوّع.
هل يفهم النظام لهجاتنا، هل يتجاوب مع الأشخاص من خلفيات تعليمية مختلفة، هل يُنصف النساء وذوي الاحتياجات الخاصة؟ التصميم الشامل من البداية هو ما يخلق خدمات متوازنة وعادلة.
رابعًا، الذكاء الاصطناعي ليس بديلاً عن الإدارة الذكية. لا نحتاج إلى "حكومات أذكى" فقط، بل إلى "حكومات أكثر إنسانية". التكنولوجيا الناجحة هي التي تُحرّر وقت الموظف ليستمع أكثر، وتُبسّط حياة المواطن، وتمنح الجميع مساحة للفهم والمشاركة.
أخيراً، المنطقة العربية، خصوصاً الشرق الأوسط، أمام فرصة نادرة لقيادة هذا التحول.
نحن لا نُقلّد نماذج عالمية، بل نبني نماذجنا الخاصة، من واقعنا واحتياجاتنا وقيمنا. ولبنان، رغم التحديات، يملك كل المقومات ليكون جزءاً فاعلاً من هذه المرحلة من المهارات البشرية، إلى الانفتاح الثقافي، إلى القدرة على التكيّف.
الذكاء الاصطناعي يجب أن يُبنى على أساس بسيط: التكنولوجيا في خدمة الإنسان. وإذا فقدنا هذا التوازن، سنخسر الغاية الأساسية من كل هذا التقدم.
مهندسة وكاتبة