لم تكن القضية الفلسطينية يوماً بعيدة عن وجدان المملكة العربية السعودية، وما شهدناه في الأيام الماضية أعاد صياغة التاريخ من جديد، فالمملكة بقيادة ولي عهدها الأمير محمد بن سلمان، قادت العالم نحو اعتراف شامل بحق الشعب الفلسطيني في دولته المستقلة، مسخّرة قوتها السياسية والمالية والديبلوماسية في مواجهة الطغيان الإسرائيلي.
لقد جلست ساعات على الشاشة أتابع مؤتمر حل الدولتين الذي انعقد في نيويورك بتاريخ 22 سبتمبر، كانت القاعة تغص بالوفود، تتداخل فيها اللغات والوجوه، لكن ما كان يعلو فوق كل شيء هو صدى فلسطين، وهي تستعيد حقها أمام العالم. كل خطاب يُلقى وكل تصفيق يتردّد في القاعة كان نبضة جديدة في قلب العدالة.
ورغم أن الكلمة الرسمية ألقاها وزير الخارجية السعودي، إلا أن وقعها وكأن الأمير محمد بن سلمان يتحدث بنفسه، صحيح أنه لم يكن حاضراً جسداً، لكنه كان حاضراً بروحه التي كانت طاغية في القاعة، حتى وهو بعيد يمسك بخيوط السياسة الدولية بذكاء ليقود العالم إلى لحظة فارقة، وهو يشرب فنجال قهوة في خيمة بصحراء العلا.
إن اعتراف 147 دولة بفلسطين ليس وليد صدفة أو لحظة عاطفية، إنما ثمرة مسار سعودي طويل بدأ من قمة الرياض عام 2023 التي جمعت خمسين دولة عربية وإسلامية، وأسفرت عن تشكيل لجنة وزارية بقيادة المملكة لتدويل القضية بشكل عاجل، ثم جاءت الخطوة الثانية عبر الديبلوماسية الذكية التي قادها فيصل بن فرحان متنقلاً بين أربع عشرة عاصمة دولية ليبني توافقاً عالمياً أثمر عن تأسيس التحالف الدولي لحل الدولتين بمشاركة أكثر من تسعين دولة ومنظمة، أما آخر المراحل والمحطات فكانت شراكة سعودية - فرنسية انتهت بتنظيم مؤتمر نيويورك في يوليو 2025، الذي فتح الباب للتصويت التاريخي، واعتماد "إعلان نيويورك" بأغلبية ساحقة بلغت 142 صوتًا.
وفي وسط هذا الإنجاز بدا المشهد تراجيدياً إلى حد بعيد عندما وجّهت الكاميرات على مقعد إسرائيل وقد بدا خالياً، وكأن التاريخ نفسه رفض وجودها في لحظة الانتصار الفلسطيني، ولم يتبقَّ من بعثتها سوى كراسٍ ممزقة، صورة تختصر مأساة مشروع استعماري ينهار أمام أعين العالم.
لم يفارق مخيلتي في تلك اللحظة مشهد آخر منذ ثمانين عاماً مضت، للملك فيصل وهو يوقّع على ميثاق الأمم المتحدة كدولة مؤسسة لهذا الصرح الأممي، واليوم تعاد الكرة حيث يعتلي فرسان المملكة المنصة لانتزاع الحق الفلسطيني، مع رؤساء وممثلي دول العالم في مشهد يفيض فخراً وعزة وكرامة.
هكذا يثبت ولي العهد السعودي أنه صانع سلام حقيقي يقود العالم نحو تسوية تاريخية طال انتظارها، ويستحق أن يُكتب اسمه بين قادة الإنسانية، والمملكة دائماً تؤكد يوما بعد يوم أنها القائد الحقيقي للخليج والعرب والعالم الإسلامي.
ونحن أبناء هذا الجيل نشعر بالفخر أننا نعيش لحظة تاريخية نرى فيها النسخة المتجددة من الملك المؤسس عبدالعزيز متمثلة في ولي العهد محمد بن سلمان.
في الختام، ومن قلب الكويت، كل عام والمملكة بخير، كل عام ونحن معاً.
كاتب كويتي