80 عاماً مضت منذ وُلدت منظمة الأمم المتحدة، من رحم الحروب والدمار، حاملةً على عاتقها وعداً عظيماً أن يكون العالم أكثر أمناً وعدلاً، وأن تُصان فيه كرامة الإنسان.
اليوم، ونحن نعيش ذكرى الثمانين لانطلاقتها، ينعقد مؤتمر "أفضل معاً" ليُعيد إلينا السؤال الأعمق: هل نحن فعلاً أفضل معاً؟
إن السلام والأمن، وهما جوهر تأسيس المنظمة، يبدوان اليوم مهدَّدين كما لم يبدوا من قبل. من الحروب الممتدة إلى النزاعات الهامشية، يتساءل الشباب العربي: أين ذهبت المواثيق، وأين صدقية القرارات الدولية؟
غير أن النقد وحده لا يكفي؛ فالإيمان بأن السلام ممكن هو ما يصنع الفارق، السلام ليس ترفاً سياسياً، بل شرط وجودي لبقاء الأوطان، وصون الكرامة الإنسانية.
أما العدالة والحقوق، فهما الوجه الآخر لرسالة الأمم المتحدة. العدالة ليست في النصوص وحدها، بل في القدرة على إنصاف الضعفاء وردع المعتدين. عالمنا العربي يشهد فجوات مؤلمة بين وعود العدالة وواقع التحيز والانتقائية، لكننا نتعلم من هذه الثغرات أن الطريق إلى حقوق راسخة يمر عبر وعي الشعوب، وصوت المجتمع المدني، وإصرار الشباب الذين يرفضون أن يكونوا مجرد ضحايا للظلم أو أرقاماً في تقارير النزاعات.
والشباب أنفسهم، ومعهم الأجيال القادمة، هم الرهان الحقيقي. فالأمم المتحدة التي وُلدت لأجل حماية الأجيال من ويلات الحروب، مدعوة اليوم لأن تستمع إلى أصواتهم وتفسح لهم المجال ليكونوا شركاء في صناعة القرار. شبابنا العربي يحمل في قلبه طاقة هائلة وأحلاماً واسعة، لكنه يحتاج إلى فضاءات آمنة تُطلق قدراته، وتُعيد له الثقة بأن العالم لا يزال قادراً على التغيير.
يبقى السؤال الكبير: هل تستطيع الأمم المتحدة أن تجدد نفسها لتلبي تحديات عصرنا؟
الإصلاح لم يعد خياراً مؤجلاً، بل ضرورة وجودية، فالعالم لم يعد عالماً ما بعد الحرب العالمية الثانية، وإنما عالم تتشابك فيه التكنولوجيا مع المناخ، والهجرة مع الاقتصاد، والسيادة مع القيم الإنسانية. إن إصلاح بنية الأمم المتحدة، بما في ذلك مجلس الأمن وآليات المساءلة، هو السبيل لجعل المنظمة أكثر عدلاً وفاعلية وشفافية.
إن النقد هنا ليس دعوة إلى القطيعة، بل إلى الإحياء. نحن نؤمن أن الأمم المتحدة، رغم ما يعتريها من قصور، تبقى الساحة الأوسع للتلاقي والحوار وصناعة الحلول المشتركة. وما أحوجنا في عالمنا العربي إلى التمسك بهذا الإطار الأممي، لا بوصفه مظلة حماية فقط، بل باعتباره منصة لصوت جديد يخرج من رحم الأزمات إلى فضاءات الأمل.في ذكرى الثمانين، نحن أمام فرصة لإعادة طرح السؤال الإنساني الكبير: كيف نصنع عالماً أكثر أماناً وعدلاً وإنصافاً؟
الجواب لن يأتي من قاعات المؤتمرات وحدها، بل من إيمان الشعوب، وعزم الشباب، وقدرة الأمم المتحدة على تجديد رسالتها.
لقد وُلدت المنظمة تحت شعار "نحن شعوب الأمم المتحدة"، ولعل أعظم تكريم لها في ذكراها الثمانين أن نستعيد المعنى الأصلي لهذا الشعار: أن نكون نحن الشعوب، لا نحن الحكومات فقط، شركاء حقيقيين في بناء مستقبل أفضل معاً!.
خبير استدامة
[email protected]