من نافلة القول إن الحوكمة ليست ضربا من ضروب التنظير، ولا ترفا فكريا، ولا استزادة يمكن الاستغناء عنها، ولو كانت كذلك، بأي وجه من الوجوه، لما امتلأت أدبيات التنمية بالتأكيد عليها، ولما أولتها الأمم المتحدة هذا الإهتمام، ولما وضعها مفكرو الاقتصاد كشرط للنمو المستدام.
وإذا كان من الصحيح أن الحوكمة الرشيدة تؤصل قيم الشفافية، والنزاهة، والتزام معايير الجودة في الأداء، فإن من الصحيح أيضا أن التنمية والنمو الاقتصادي لا يستديمان ولا يستقيمان إلا على قاعدة إدارة عامة محوكمة جيداً، وقطاع خاص مبني على أسس صلبة من الحوكمة الرشيدة.
في هذا السياق، لا يبدو أن "الإطار الوطني لحوكمة الجهاز الإداري الحكومي بدولة الكويت"، و"البرنامج الوطني للحوكمة المؤسسية" الذي تلاه قد أديا إلى نتائج ملموسة في تحقيق الأهداف المرجوة منهما، وربما يعود ذلك لسببين، أولهما أنهما أطر استرشادية لا تحمل الإلزام القانوني، وثانيهما ضعف الترويج لهما على صعيد الإدارة الحكومية، والثقافة الوطنية.
وهنا يتعين التأكيد أن الحوكمة الرشيدة ليست إطارا استرشاديا، لذا ينبغي أن تكون أداة إصدارها ومتابعة تنفيذها وتحديثها لها صفة الإلزام القانوني. يشير مؤشر "شاندلر" للحوكمة الرشيدة، إلى أن الكويت حصلت على ترتيب 53 عالميا للعام 2025، رغم أن هذا الترتيب يؤشر إلى الجهود الكبيرة للدولة في تطبيقات الحوكمة والرقمنة، إلا أنه ايضا يؤشر إلى عدم كفاية إجراءات وبرامج حوكمة الإدارة العامة، مما يتطلب معه نظرة جديدة، وأساليب حديثة للتقدم في هذا المجال، نظرا لآثاره السلبية على الأداء الإنمائي والاقتصاد الوطني.
إن حجم الإدارة العامة وكلفتها المتنامية، ونموها المطرد تقف كعقبة كأداء أمام حوكمتها، فالإدارة الحكومية، أصبحت كبيرة ومتشعبة من حيث عدد مكوناتها المؤسسية، وعدد العاملين بها، لكونها المشغل الرئيسي للعمالة الوطنية، وبفعل التوجه الذي ساد العقود السابقة، نحو إنشاء هيئات جديدة مقابل كل وظيفة حكومية تطرأ.
وتشير الدراسات إلى أن هذا التوسع يفوق كثيراً نطاق الخدمات والسلع التي تقدمها الإدارة، ويفسر الإنخفاض الكبير في الإنتاجية، وبذلك، أصبحت الإدارة الحكومية عبئاً على التنمية بدل أن تكون وسيلتها، وهنا يبرز التحدي الكبير الذي يواجه حوكمة الإدارة العامة.
يضاف إلى إشكاليتي الحجم وانخفاض الانتاجية، النمو المطرد لتكاليف الادارة، إذ استحواذ بند الرواتب والإجور على النصيب الأكبر من الموازنة العامة، إذ قدرا مجتمعين، للسنة المالية 24/ 25،نحو 14.8 مليار دينار من اجمالي مصروفات قدرت بنحو 24 مليار، تشكل 30 في المئة من الناتج المحلي الاجمالي، ونحو 62 في المئة من اجمالي المصروفات، إذ يعمل في الإدارة الحكومية قنحو483 الف موظف يشكل الكويتيون نحو 77 في المئة، وهذا العدد، علاوة على كلفته العالية، يفوق كثيرا حاجة الإدارة وطاقتها الإستيعابية وسعتها المكانية.
كان هدف "إدارة حكومية فاعلة" احدى ركائز خطة التنمية 2015 /2020، والخطة التي تلتها (الحالية)، واعتبرت الخطتان إصلاح الإدارة الحكومية "مفتاح خطة التنمية الوطنية الكويتية"، وتضمنتا سياسات لإصلاح الممارسات الإدارية والبيروقراطية، لتعزيز الشفافية والمساءلة ورفع كفاءة الأداء، وبناء نظام فعال للخدمة المدنية، وفق الممارسات العالمية الحديثة، وإستخدام التقنيات الرقمية في الأعمال الحكومية، وتقليص الدورة المستندية والبيروقراطية.
ورغم أهمية كل ذلك، لا تتضح حتى الآن نتائج معتبرة سواء على صعيد مؤشرات الخطة، أو على صعيد المؤشرات الدولية ذات العلاقة، وما هو ملحوظ لا يتجاوز تطبيقات إلكترونية لتيسير الخدمات، رغم أهمية ذلك، إلا أن الإشكاليات التقليدية (النمو المطرد، وتنامي الحجم، وبطء الحركة، ونمو البطالة المقنعة، وبطء وتعقد الدورة المستندية) بقيت كما هي دون معالجة جوهرية ذلك أن الرؤية والسياسات المشمولة بالخطتين المذكورتين بقيتا قاصرتين عن الغوص في عمق المشكلة.
إن مقاربة إصلاح وحوكمة الإدارة العامة لا تحقق أهدافهما إلا إذا ارتبطت وتكاملت مع الإصلاح الاقتصادي والمالي، وإصلاح سوق العمل والتعليم.
إذ إن تقليص حجم الادارة العامة الى مستوى يتناسب مع حجم الخدمات والسلع العامة التي تقدمها على نحو يسهم في تفعيلها ورفع كفاءتها وزيادة انتاجيتها وضبط كلفتها، يتطلب خلق فرص عمل تخفف عبء التشغيل الذي تتحمله هذه الإدارة، ونقل هذه المهمة إلى القطاع الخاص، وهذا هو أحد مرتكزات الاصلاح الاقتصادي، كما يؤدي، من جانب آخر، الى تقليص تكلفة الإدارة العامة المالية، وكذلك معالجة جانب مهم من إختلالات المالية العامة (الرواتب والاجور) باعتباره هدفاً رئيساً للإصلاح المالي.
إن حوكمة الإدارة الحكومية يتعين أن تتكامل مع حوكمة القطاع الخاص الذي قطع بدوره شوطا مهما في هذا المجال،خصوصا المصرفي منه، الذي يعتبر دعامة مهمة في الإقتصاد الوطني، غير أن مكونات القطاع الخاص الأخرى ينبغي أن تتقدم أكثر في طريق الحوكمة، ولا تقف عند الحوكمة الإجرائية لأنشطتها وأعمالها.
وينبغي أن يشمل ذلك دور القطاع ومساهمته في النمو والتنمية، وحتى يتم ذلك، فعلى القطاع الخاص أن يزيد مساهمته في القطاعات الإنتاجية ويتحول إلى قطاع منتج لا مستورد، ويساهم مساهمة فعالة في النمو الإقتصادي وتعزيز الصادرات وتشغيل العمالة الوطنية، فذلك كله جانب آخر ومهم في إستكمال حوكمته.
المدير العام السابق للمعهد العربي للتخطيط