الخميس 02 أبريل 2026
25°C weather icon
logo-icon
تم نسخ الرابط بنجاح
هيبة الدولة... حماية
play icon
كل الآراء

هيبة الدولة... حماية

Time
الثلاثاء 30 سبتمبر 2025
د.جورج شبلي

في البداية، لا بدَّ من توضيح دقيق لكلمة "هيبة"، وما يتعلّقُ بها من مواصفات صارمة تعني القوة والمهابة، والمكانة والحزم، ما يوجبُ الاحترام وتَدارُكَ المخالفة، وهذا، بالذّات، الانطباع الجادّ الذي يتركه سلوكُ مؤسّسة الدولة في ناسِها.

إنّ هيبة الدولة، أيّ دولة، تخلقُ احتراماً طوعياً لها، من الداخل والخارج، استناداً الى تطبيق القانون على الجميع، دون استثناء، وتطبيق معادلة الحقوق والواجبات بشكل عادل، وإشاعة الأمن والاستقرار، وحماية المواطنين بمؤسّسات عسكريّة وقضائيّة قادرة، ومنع الانتهاكات والتعدّيات، أيًّا يكنْ صاحبها، ومواجهة آفات الفقر والبطالة بالتنمية الاقتصادية المتكافئة، وامتلاك القرار الضّامن للسيادة والكرامة.

إنّ هيبة الدولة تفرض وقاراً ملزِماً يجعل المواطنين يلتزمون النّظام، والتقيّد بالقوانين المرعيّة، واحترام القواعد وحقوق الآخر، ما يؤدّي، حُكماً، الى تنظيم الحياة العامة، ومنع الفوضى.

ولمّا كانت هيبة السّلطة تعني أنّ حياة النّاس الكريمة مرهونة بوجود دولة ذات هيبة، فإنّ حالة التّقسيط السياسي التي يمارسُها بعضُهم، في الحكم، يغتال هيبة الدولة التي تتشارك في القرار مع غيرها من الذين يستقوون عليها.

وهذا يؤكّد على عدم امتلاك الدولة أحاديّة القرار والسلطة، وأنّ هيبتها التي ينبغي أن تشكّل ركناً من أركانها، وهو ركنٌ ملازمٌ لها، مفقودة، وفي خبر كان.

إنّ هيبة الدولة يجب أن تكون مطلقَة، تستمدّها من ذاتها، وهي شعارٌ لكرامتها. كذلك، هي شاملة تنسحب على مساحة الوطن ومَنْ فيه، وهي حصريّة لا تقبل التّجزئة، ولا يمكن التّنازل عنها، ففقدانُها يعني فقدان مبرّر وجود الدولة بالذّات.

واستناداً، يُطرَح السؤال: هل تملك الدولة، في لبنان، مواصفات الهيبة، في ظلّ الوضع القائم، ومجريات الأحداث الأخيرة، ولا سيّما فعاليّة إضاءة صخرة الرّوشة؟

مهما كانت قراءة الأحداث حسنة النِيّة، فإنّها لا تترك مجالاً للشكّ في أنّ ما وراءها غير بريء، فهي رسالة واضحة المرمى للقريب والبعيد. لذلك، واعتباراً من الحقيقة المؤلمة، يعتبر البعض أنّ الشّعب اللبناني يعيش في جمهوريّة الموز، وهو مصطلح ساخر يُطلَق للانتقاص من سلطة لا سلطة لها، ومن نظام غير مستقرّ، ومن دولة هيبتُها صُوريّة.

ويبرِّر هذا البعضُ موقفَه بأنّ وجود جهةٍ معروفة لا تزال تقبضُ على مفاصل الدولة العميقة، في لبنان، وعلى مرجعيّات المؤسّسات التي تُديرها، بلا مراعاة للقوانين، والأَعراف، وكلّ ذلك لدَكِّ مشروع الدولة، يتوجّبُ على المسؤولين الحراك السّريع والقادر لاسترداد حقّ الحكم في الهيبة التي انتُزِعت منه بالقوّة، أو بالاستقواء، وما شهدَه الناس، سابقاً وحالياً، لَهو خير برهان ودليل.

ويضيفُ هذا البعض: إذا قيل إنّ النّاس مُحبَطون، فالقَول ليس مُتَخَيَّلاً، فبعد أن تَعبَّأَ في البلاد أملٌ وفرحٌ بوصول مرجعيّاتٍ ذات ثقة، الى سدّة المسؤولية، وهي كذلك، لأنها مُحَفَّزة للتغيير الحقيقي، تواجه البلاد أحداثاً أعادَت الى الذّاكرة ممارساتٍ شنيعة، ومرفوضة من هيمنة ميليشيا غير شرعيّة، ومن سَلبها البَغيض للقرار، وقد جرَت هذه الأحداث في مفصلٍ كان يستدعي، حتماً، المواجهة، لا المسايرة.

وقد اُعيد الى الأذهان ما كان يجري من المسرحيّات المَهزلة خلال مرحلة طويلة من التاريخ الحديث، وما كان يجري ليس سوى بيانٍ قاطع على خنوع السّلطة، وضَياع هيبتها، وعجزها عن الدفاع عن سيادتها المنتَهَكة.

وحَرِيٌّ أنّ هذا الأمر مرفوض حاليّاً، جملةً وتفصيلًا، لأنّ الأمنَ بالتّراضي لا يعزّز هيبة الدولة، بل يشلِّع صورتها، ويعلنُها دولة هشَّة ضعيفة، ليس لديها مقوّمات القوة والصّلابة والحُضور.

إنّ النّاس الذين لا يستطيعون الانتظار، وإعطاء السّلطة فرصةً بعد الفرصة، يردّدون، ربّما بغضب، أنّ العبرة في التّنفيذ، بمعنى أنّ المصداقيّة لا تُقاس بالكلام، أو الخُطَب والبيانات، بل بتطبيق ما تتضمّنه فِعلياً، على أرض الواقع. فلا يمكن أن يُحكَمَ على نجاح وَعدٍ، أو خطّة، أو مشروع، إلّا بالتنفيذ الذي يشكّل المعيار الحقيقي للنجاح، فالشّعب ينتظر الأفعال لا الأقوال، والنتائج لا الوعود.

من هنا، ولإيفاء حقّ المواطنين الموجوعين الذين طالما عانوا ممارسات التّرهيب، والقهر، والإلغاء، من مستَقوين وأوصياء، ولطالما انتظروا دولةً حُرّةً ذات هيبةٍ تفرضُها بقواها الشرعيّة، من حقّهم أن يكون لهم دِرعٌ حصينةٌ وحيدةٌ هي الدولة، تبسط سلطانها على كامل الوطن، ترسيخاً لديمومته وحقّه، وذَوداً عن كرامة شعبه.

كاتب، وأستاذ جامعي لبناني

آخر الأخبار