التخطيط هو العمود الفقري للتنمية الحقيقية الناجحة، فإذا تعثر، أو حاد عن المنهجية اللازمة، تعثرت معه التنمية، وفقدت أثرها ودورها في البناء النهضوي، وهذا من دروس التنمية في التجارب التنموية الناجحة، ومن عِبَرها في تلك التي تعثرت، والتي نجحت تقدمت في بناء مشروعها النهضوي، وعلى عكس ذلك كانت المتعثرة.
فالمشروع النهضوي الشامل تصعب مقاربته، والمضي في تنفيذه، وتحقيق أهدافه دون رؤية ثاقبة، وخطط مدروسة، ومشاريع تنموية واقعية، وموارد بشرية مؤهلة، ويجب أن تتوافر جميعها بتكامل وترابط في خطط تحدد مسارات التنمية وسياساتها وأهدافها. ونحن في هذا البلد العزيز، قطعنا شوطاً مهماً في مشروع نهضوي بدأ منذ الاستقلال، تعثر تارة ونجح تارات، وأفضت النجاحات إلى تقدم في التنمية الاقتصادية والاجتماعية، ومكانة دولية نعتز ونفتخر بها.
غير أن مواطن التعثر أصبحت حاليا من التحديات التي يتعين علينا مواجهتها ومعالجتها لاستكمال مشروعنا النهضوي، ولنواكب الركب خصوصا في عالم استعرت فيه المنافسة، واشتد فيه الصراع على مراكز النفوذ، وتعددت فيه بؤر التوتر، وتلك جميعا لها آثارها علينا وعلى العالم.
ورغم أننا نمتلك إمكانات بشرية ومالية معتبرة، إلا أن خطط التنمية المتعاقبة تأخذنا خطوة للأمام، ولا تلبث أن تعود بنا خطوة للوراء، وكأننا "مكانك راوح"، مما يعكس أزمة في مسيرة التخطيط والتنفيذ تنعكس سلباً على التنمية.
وهذا الأمر له، دون شك، تبعات، على رأسها بطء التنويع الاقتصادي، واستمرار الاعتماد على النفط كمصدر رئيسي لتمويل الإنفاق الحكومي، وعدم القدرة على تلبية وتطوير الخدمات، كالصحة والتعليم والإسكان، وهذا كله ينعكس على ترتيبنا في المؤشرات الدولية.
خلاصة القول إن إعداد خطط تنموية لا تنفّذ بالشكل الصحيح، ولا تحقق أهدافها، على النحو المطلوب، يؤدي إلى فرص ضائعة كان استغلالها يعود علينا بالنفع الكثير.
و إذا استذكرنا أبجديات التخطيط الإنمائي، سنعلم أن إدارة الاقتصاد والتنمية إما أن تكون في إطار من تخطيط مبرمج على أسس صحيحة، أو أن تكون مشاريع وبرامج متفرقة أشبه ما تكون بردود فعل بشأن المستجدات، وبالتأكيد فإن الأول أكثر نجاعة وأجدى أسلوبا، وإلا لما كان التخطيط الستراتيجي أداة مهمة لبناء مشروع نهضوي في الدول التي نجحت في ذلك. و في إطار الأبجديات نفسها، نعيد طرح سؤال أصبحت إجابته من البديهيات: ما المقصود بخطة التنمية؟
الإجابة هنا، في شقها المهم، أنها كل شيء نريد عمله في فترة زمنية محددة ويتسق مع ما سبقه، وكل شيء هنا تعني ما نريد أن تكون عليه الدولة والاقتصاد والمجتمع، وحتى برنامج عمل الحكومة، إذا استثنينا شقه السياسي، يتعين أن يكون من الخطة وإليها، فلا يستقيم أن تكون لدينا خطة وبرنامج عمل تنفيذي، وبرامج إصلاح كل منها على حدة، فهذا بالفعل ما يفقد خطة التنمية أهميتها وزخمها وإمكانية تنفيذها.
هدفت خطط التنمية المتعاقبة إلى غايات مهمة؛ تخفيض الاعتماد على النفط، وتنويع الدخل والناتج المحلي الإجمالي، وتحقيق نمو اقتصادي، مستدام مدفوع بالاقتصاد غير النفطي، وبناء إدارة عامة ذات كفاءة وعالية الإنتاجية، ودور قيادي للقطاع الخاص في النمو والتشغيل.
وهي جميعا غايات مهمة تستجيب لإحتياجاتنا التنموية الملحة، إلا أن التطبيق العملي لتلك الخطط لم يحقق النتائج والأهداف المرجوة، فبقيت تلك الأهداف المهمة تراوح مكانها، فكبرت الاختلالات، وصارت التحديات أكبر. منذ عام 1969 تم إعداد تسع خطط خمسية، من ضمنها ما عُرِفَ بالوثيقة الوطنية للإصلاح والتنمية للفترة 1992/ 1995. ويتبين من تقييم تلك الخطط، ومن واقع تلك البيانات، انخفاض مستوى الأداء والإنجاز لدرجة أن بعضا من تلك الخطط لم يدخل حيز التنفيذ.
لا شك، أن لذلك أسبابا عديدة يعرفها المخططون، إلا أن هناك أسبابا جوهرية غابت عنهم، وأشير هنا لعدد منها؛ أولها أن جُل تلك الخطط، إن لم يكن كلها، رغم تأكيدها على الدور القيادي للقطاع الخاص، كانت بمثابة برامج استثمارات حكومية في البنية التحتية، ولم تركز على تحفيز القطاع الخاص في القطاعات الإنتاجية والتنويع الاقتصادي. أما ثانيها، أن المخطط التنموي كثيرا ما يشير، وخصوصا في الخطط المتأخرة، إلى أن الخطة تأشيرية، أي مبنية على السياسات والمؤشرات، إلا أنها في واقع الحال خطط تقليدية ليس بها من الخطط التأشيرية شيء، ولا تعد وتنفذ في إطار نموذج حاسوبي للتوازنات الكلية. ثالثها، أن الحركة البطيئة للإدارة الحكومية، وضعف التنسيق بين أجهزتها، والتنافر المؤسسي فيها، أضعف التنفيذ، وكان ما كان مما شهدناه من تدني نسب الإنجاز، ومن تلك جميعا تتفرع العديد من التفاصيل.
و من الدروس المستقاة من أدبيات التخطيط الستراتيجي، يتضح أن الرؤية الإنمائية طويلة الأجل التي تنفذ عبر خطط متوسطة الأجل، في إطار منظومة للتخطيط الإنمائي، تعتبر أداة مهمة في تعزيز الشراكة الوطنية، فالتنمية، من هذه الزاوية، هي رحلة مجتمع نحو الأفضل، وهي بذلك شراكة مجتمعية أطرافها الدولة والمواطن والمجتمع المدني والقطاع الخاص.
وينبغي أن يساهم فيها الجميع، ويقطف ثمارها الجميع، فلا يستقيم أن تعد الخطط وتنفذ خارج هذه الشراكة وفي "أبراج عاجية". بيت القصيد هنا، أن التخطيط الإنمائي أحد الأدوات المهمة للوحدة الوطنية والشراكة الإجتماعية.
المدير العام السابق للمعهد العربي للتخطيط