الجمعة 01 مايو 2026
27°C weather icon
logo-icon
تم نسخ الرابط بنجاح
وزارة المالية:  الاقتراض أداة لا إنجاز
play icon
كل الآراء

وزارة المالية: الاقتراض أداة لا إنجاز

Time
الخميس 09 أكتوبر 2025
عبدالعزيز محمد العنجري

استغربت احتفاء وزارة المالية بالاستدانة، وكأنها إنجاز يُفاخر به. ألا تعرف الوزارة أن الاقتراض عصا يتوكّأ عليها الاقتصاد المُتعب حين يشتد عليه العجز؟

وحتى لا نُتَّهم بالمبالغة، تكشف الأرقام حجم التحدي: العجز يتجاوز خمسة في المئة من الناتج المحلي، مع توقعات بارتفاعه إلى 6.3 مليار دينار. أرقام تكشف أن الأزمة ليست تجنّياً أو انطباعاً.

فالاقتراض دينٌ يُسدَّد بفوائد، ولا تُقاس قيمته إلا بما يُثمر من مشاريع حقيقية على أرض الواقع. ومع ذلك، وجدت وزارة المالية في الإصدار السيادي الأخير بقيمة 11.25 مليار دولار مناسبة للاحتفال، مستندة إلى إقبال المستثمرين، وانخفاض تكلفة التسعير، كأن مجرد الحصول على الديْن نجاح قائم بذاته.

فالأهم أن نسأل: هل ستُترجم هذه الأموال إلى مشاريع مُدِرّة، أم أنها ستتبدد كما تبددت غيرها من قبل، في عجزٍ مزمن ونفقات جارية؟

والأدهى أن هذه التساؤلات تتزامن مع حكومة اقترب عمرها من عامين من دون أن تعلن حتى اليوم عن خطتها. ومع ذلك، يبقى السؤال مطروحاً، حتى وإن كنا نعرف سلفاً أن لا إجابة عليه في الأفق.

ونجاح الإصدار الأخير لا يعود إلى كفاءة الإدارة الحالية، بل إلى قوة المركز المالي المتراكم عبر عقود. فالكويت مقترض مرغوب بفضل أصولها، لكنها تراجعت خليجياً من الثانية إلى الرابعة، فيما الميزانية غارقة في عجز مزمن، على عكس دول الجوار التي مضت في الإصلاح، وجنت ثماره.

ولعل الصورة الأقرب لفهم المشهد، أن نتخيل شركة قابضة مدرجة استنزفت احتياطياتها عاماً بعد عام، ولم تُطلق أي مشروع مُدر، أو استثمار ناجح يعزز ميزانيتها. ثم يعود مجلس إدارتها نفسه، بالإداريين والتنفيذيين أنفسهم، ليحتفي باقتراض جديد، وكأنه إنجاز بحد ذاته، من دون أي تغيير في النهج، أو الستراتيجيات، أو إعادة الهيكلة بكوادر تحمل فكراً جديداً في الإبداع والتغيير، ومن دون أن يقدم للمساهمين خطة واضحة تبيّن كيف ستُحقق هذه الأموال عوائد مستقبلية.

أليس في ذلك مفارقة؟

وبالقياس، فإن مجلس الوزراء الذي لم يُظهر خلال عامين أي مؤشر إصلاحي، أو مشروع اقتصادي يغير المسار، يصعب أن يُنظر إلى اقتراضه اليوم باعتباره طوق نجاة، بل يُخشى أن يتحول إلى عبء إضافي بلا مردود. وبالكويتي… "مآلها فسفسة على تبربس إداري".

والتجارب السابقة لا تبعث على الاطمئنان. ففي عام 2017، لجأت الكويت إلى إصدار سنداتها، الداخلية والخارجية، ولم يُقدَّم للرأي العام أي كشف عن أوجه الإنفاق، أو العوائد، وما بقي مؤكداً أنها ذهبت إلى مشاريع وخدمات لا تُدر دخلاً.

ثم جاءت جائحة "كورونا" ومعها انهيار أسعار النفط لتكشف هشاشة البنيان الاقتصادي، حتى صارت الكويت من بين الأعلى عالمياً في نسبة العجز التي تجاوزت 10 في المئة من الناتج المحلي.

الصمت المستمر من وزارة المالية لا يزيد الناس إلا شكاً، ويجعل السؤال الأكثر إلحاحاً: ما جدوى اقتراضٍ لا يُثمر، وهو في عهدة وزارة لا تملك خطة تُفاخر بها علناً؟

ويتعاظم القلق حين نعلم أن التحويل لصندوق الأجيال القادمة توقف منذ 2018، بعد استرجاع ما حُوِّل إليه في عامين إبان أزمة "كورونا"، وأن الصندوق نفسه اضطر إلى شراء أصول من الاحتياطي العام لتمويل الميزانية.

إلى جانب ذلك، تُعلن الدولة كل يوم مشروعات كبرى لا تتحمل ميزانيتها كلفة إنشائها أو تشغيلها. فهناك محطات كهرباء أُنشئت بنظام الشراء الملزم، واتفاقيات مع الصين بقيمة 22 مليار دولار تُدفع على سنوات طويلة، وخطط لمؤسسة البترول تُموَّل من مواردها وقروضها، وحتى توجه نحو التمويل العقاري والمطور العقاري لتخفيف العبء السكني.

فإذا كانت كل هذه القطاعات ممولة من خارج الميزانية، فأين ستذهب مليارات القروض الجديدة، وما هي قائمة المشروعات الإنتاجية التي ستعظّم الدخل القومي بعيداً عن النفط، وتوفر فرص عمل، وتدفع الاقتصاد الوطني إلى الأمام؟

ليست قوة الدولة في قدرتها على الاقتراض، فالاقتراض ليس هدية بل دين يُسدَّد. ومن يتباهى به كأنه منحة مجانية، إنما يرقص على وقع فواتير لم تُدفع بعد. وإذا ظلّت مجرد أرقام للتفاخر من دون مردود مادي واضح، فسنكتشف أننا اقترضنا لنصنع إعلاناً ترويجياً طويل الأمد… خاوي الجوهر، بلا قيمة حقيقية.

Abdulaziz_anjri@

آخر الأخبار