الخميس 30 أبريل 2026
25°C weather icon
logo-icon
تم نسخ الرابط بنجاح
عقلية الشّباب والشّيّاب
play icon
كل الآراء

عقلية الشّباب والشّيّاب

Time
الاثنين 13 أكتوبر 2025
عدنان مكّاوي

ينبغي علينا تغيير الفكر السائد في منهج اللغة العربية المقرر على طلاب مدارسنا، لاسيما في فصول المرحلة الثانوية.

هذا الفكر القائم على الرضا بالواقع، وقبوله من دون تجشم العناء؛ لتجاوزه أو تغييره إلى الأفضل، مهما كان مزرياً، أو بائساً، أو يائساً؛ لأن هذا الفكر القانع الراضي لا يتناسب مع روح الشّباب الوقّادة، المنطلقة إلى رحاب المستقبل الواعد والفاضل.

إن الفلسفة السائدة في منهج اللغة العربية إنْ جاز أن نسميها "فلسفة"، والقائمة على القدرية والماضوية، أكثر من الانشغال بالوجود والمستقبل، تناسب أو تتناسب مع عقلية كبار السن القدامى (الشّيّاب) الذين سئموا تكاليف الحياة، أو كادوا، بسبب المرض والوجع ودنو آجالهم المحتومة، أكثر مما تشغلهم الصحة والحياة الزاخرة البهيجة.

ومن الأهمية أن نستفيد من طاقة الشباب، وطبيعة حركتهم الدائبة الوثَّابة نحو الأفضل دائماً؛ لينطلقوا بمجتمعهم إلى آفاق التقدم والازدهار، لا أن نهدّهم ونقعدهم، ونشغلهم باجترار الماضي الذي مضى وانتهى نهائياً، بل وعفا عليه الزمن.

علينا أن نوجّه طلابنا إلى التفكير بعقلية جديدة قادرة على تحديد الأسباب، ووضع الحلول، وحُسن تطبيقها؛ لحل المشكلات، لا بعقلية السلف الثابت الجامد، التي تحفل بها العديد من الموضوعات والنصوص، والفقرات المقررة ضمن منهج اللغة العربية في المرحلة الثانوية، والرامية للتعايش مع المشكلة، أو ردّها لقوة خارجة عن إرادة الإنسان، ومقدرته على حلها حلا جذريا وسريعا.

ومع أن عقلية الشباب تتسم بالديناميكية (الحركة) بعكس عقلية كبار السن الهرمين (الشّياب) التي تتسم بالاستاتيكية (الثبات)، فإن معظم منهجنا لا يراعي هذه الحقيقة في أغلب مواضيعه؛ فنقتل من دون أن ندري، أو نقصد طموحات وقدرات شبابنا على الإبداع والابتكار، ومحاولة إيجاد الحلول للمشكلات بأسلوب علمي، ومنهج علمي يقوم على مقدمة وعرض، وبحث، ونتائج، وتطبيق سليم، ومسؤول وأمين وموضوعي للنتائج.

إن طاقات طلابنا شبه معطّلة لأنها مشغولة بدراسة الماضي، الذي أكل الزمن عليه وشرب، والوقوف عنده طويلاً، بل الرضا بالواقع والقناعة به، الأمر الذي يؤخّر انطلاقنا لآفاق المستقبل المجيد، والمزاحمة على الصفوف الأولى في مناحي الحياة؛ فبدلاً من أن نعلّمهم:

"وما نيل المطالب بالتمنّي

ولكن تؤخذ الدنيا غلابا"،

وبدلاً من أن نحفظهم:

"إذا الشعب يوماً أراد الحياة

فلا بد أن يستجيب القدر

و "قف دون رأيك في الحياة

مجاهداً إن الحياة عقيدة وجهاد"

نحفّظهم:

"ومن لم يصانع في أمور كثيرة

يضرّس بأنياب ويوطأ بمنسم"

ونعلّمهم:

"رأيت المنايا خبط عشواء من تصب

تمته، ومن تخطئ يعمَّر فيهرم".

ونقرأ لهم أو عليهم:

"كفى بك داء أن ترى الموت شافيا

وحسب المنايا أن يكنّ أمانيا".

فهل من المنطق الصحيح، والعقل السليم، أن نفهم الطالب أن عليه أن يعتمد تجارب الشاعر زهير بن أبي سلمى، الرجل المسن الهرم، الذي سئم تكاليف الحياة، وكفر بقيمة الحياة ومعناها الجميل في حياته، ليعيش حياة هادئة متّسمة بالسلام، حتى لو كان سلام الميت في صورة الحيّ؟

في قوله:

"سئمت تكاليف الحياة ومن يعش

ثمانين حولا لا أبا لك يسأم".

هذا كلام رجل مسن يائس، عمره ثمانون عاما، فكيف يدرّس لصبي في مقتبل العمر، أو لصبية في عمر الربيع والزهو،

لماذا إشغال عقول طلابنا وطالباتنا بغير وجودهم ومستقبلهم؟

والخلاصة: نريد من طلابنا، على اعتبارهم قادة المستقبل، اعتماد الفكر القائم على نقد الواقع وتحليل الأحداث ومعرفة مسبباتها ووضع الآلية المناسبة لعلاج أوجه القصور في المجتمع، وليس الفكر القائم على الموافقة أو السكوت أوالطاعة العمياء، من دون تبرّم، أو تذمّر، أو حتى اعتراض، أو نقاش أو حوار أو جدال؛ فتتكرر المآسي، وتتوالى الأحداث الجسام من حولنا، قانعين راضين مستسلمين؛ وكأننا ريشة في مهب الريح، لا حول لنا ولا طول.

صحافي فلسطيني

آخر الأخبار