السبت 02 مايو 2026
28°C weather icon
logo-icon
تم نسخ الرابط بنجاح
أمّ الرجال... حين تمشي الرحمة على الأرض
play icon
كل الآراء

أمّ الرجال... حين تمشي الرحمة على الأرض

Time
الثلاثاء 14 أكتوبر 2025
د.سامي العدواني

لا نملك تجسيد كل التجارب التي عشناها، ولا نستطيع تخليد كل الروايات التي عايشنا حكاياها، لكن بعضها تستدعيه الأحداث والمناسبات نسترجع معانيها، ونتقوى من زادها، لأنها شاهد على أن الإنسان يمكن أن يبلغ من العطاء ما يبلغه الأولياء من الصفاء. قصة أمّ الرجال وُلدت في الميدان، ولقبٌ أطلقه عليها أولئك الشبّان حين شاركتهم، وهي تقارب الثمانين من عمرها، رحلاتهم التطوعية، ومبادراتهم الإنسانية لإغاثة اللاجئين، ومواساة النازحين. كانت مدرسةً في العطاء وجبر الخواطر، تزاحم الشباب بهمّتها، وتكابد الطريق معهم، رغم وعورته وبعده، تمدّ يدها لأيديهم، فتقوّي عزائمهم، وتخفف من معاناتهم، وتغرس في نفوسهم أن الإحسان لا يُقاس بالعمر، ولا الصحة، بل بالنية التي تدفعك إلى الميدان.

حين عرفتها مع رفاق تلاحم، مجموعة العمل التطوعي، كانت قصتها أقرب إلى الخيال في صدقها وبساطتها.

امرأة مسنّة، تعاني من أمراض عدّة، ومشكلات في الركبتين، ومع ذلك تصرّ على ابنها أن يصحبها إلى الميدان لتوزيع صدقاتها بنفسها على اللاجئين السوريين.

وحين حاول ابنها أن يعتذر لظروفها الصحية، أصرّت حتى خرجت في قوافل تلاحم الإنسانية إلى لبنان، وغيرها من بلدان وهناك رأى الجميع ما أدهشهم: تتحرك الخالة أم نايف، توزع الصدقات من الصباح حتى المساء، تصعد الدرجات الأربع على قدميها، وهي التي وفّر لها مصعد في بيتها لصعوبة صعود طابقٍ واحد. ولمّا سُئلت عن ذلك، قالت بصفاء: "والله إني أشعر أنني لا أمشي على قدميَّ، بل يرفعني الله عن الأرض فلا أجد تعباً". كانت كلماتها درساً في معنى التوكّل حين يصبح العطاء عبادة، وحين يحمل الجسد روحاً تسنده لا عضلاتٍ تحمله.بعد عودتها من الرحلة، أصرت أن تدعو الفريق كله إلى العشاء في مزرعة المرحوم زوجها بحضور أبنائها، وأشرفت بنفسها على إعداد الطعام، وكأنها تقول: الخير لا يكتمل حتى يُختم بالثناء والتقدير، تشجع الجميع على هذا الدأب، وتستحثهم على استكمال الدرب. ومن يومها، بقيت أمّ الرجال رمزاً يختصر روح الإحسان والعمل التطوعي والخيري في أنقى صوره، رحمةٌ فاعلة، وهمّةٌ صامتة، وإخلاصٌ بلا ضجيج. واليوم، تغادرنا الخالة المباركة بعد حياةٍ حافلة بالبرّ والأثر، إلى جوار زوجها المرحوم، تاركةً لأبنائها وتلامذتها طريقاً من نورٍ لن ينطفئ، توارى جثمانها الثرى بعد أن أكرمها الله، أن رأت بعينها زوال الطغيان عن الشام، وعودة الأمان إلى ربوعها التي أحبّتها ودعت لها سنين طويلة. ارقدي بسلامٍ يا أمّ الرجال، يا من علمتِنا أن العمر لا يشيخ ما دام القلب حياً بالرحمة، وأن الإحسان إذا صدق، صار وطناً يسكنه كل من عرف البرّ. رحمكِ الله رحمةً واسعة، وجزاك عن كل قلبٍ مسّته يدك، وكل روحٍ أحييتها بدفء عطائك.

خبير استدامة

[email protected]

آخر الأخبار