"الدَّيْن عمات عين"، هكذا قيل في المثل الدارج في وصف الإقتراض، أي أن الدَّيْن حالة عرضية تنتج عن أعراض أخرى لم تعالج بالشكل الصحيح، وهذا هو ما يمكن أن يصف حال معظم الدول النامية المدينة التي تحول فيها الاقتراض عَرَضاً ثم مَرَضاً ثم معضلة مستعصية، لا تزال تدفع ثمنها تلك الدول.
والدَّين العام (الحكومي) بمعناه المبسَّط هو الحصول على أموال (اقتراض) في الحاضر تستقطع مع الفوائد من إيرادات المستقبل، فهو ارتهان لمقدرات المستقبل لتمويل الحاضر، والاقتراض لا يعتبر دخلاً.
وفي حين أن الاقتراض يعالج الاحتياجات المالية في الحاضر فهو يحمل في طياته مخاطر على المستقبل. وتشير الإحصاءات إلى أن المديونية العالمية (عام وخاص) بلغت نسبتها قرابة 240 في المئة من الناتج الإجمالي العالمي أي تتجاوز 100 تريليون دولار.
في حين تقدر مديونية الدول النامية بنحو11.4 تريليون دولار، ووفقا لبيانات البنك الدولي تبلغ خدمة الدَّين (أقساط + فوائد) نحو 1.4 تريليون دولار، وهناك دول تنفق على خدمة الدّين أكثر مما تنفقه على التعليم والصحة. وقد تورطت معظم هذه الدول في "شَرَك" الإستدانة إلى الحد الذي أفقدها القدرة على الخروج منه، ولا شك أن لذلك أسبابه العديدة، وعواقبه الكبيرة، لذلك، فالدَّين في تلك الدول كان فعلا "عمات عين" أفقدها القدرة على المضي في طريق السلامة.
وتورطت معظم الدول النامية في فخ المديونية ليس "مؤامرة"، ولا من نتائج العولمة، ولا تواطؤ من الدائنين، بل بفعل عوامل عدة تتحمل مسئوليتها تلك الدول. على رأس تلك العوامل، ضعف النمو الإقتصادي وعجز الموازنة، وتدني مؤشرات الإقتصاد الكلي.
ثانيها، الإختلالات الإقتصادية والتشوهات المالية المزمنة، التي لم تفلح تلك الدول في معالجتها عبر عقود.
ثالثها، الإقتراض لتغطية عجوزات مزمنة في الموازنة، أو لتمويل مشروعات لا تدر عائدا، أو لا تكون عوائدها وفق التوقعات.
رابعها، ضعف التصنيف الائتماني نتيجة ضعف المصدات المالية أو تضاؤلها وتنامي خدمة الدّين وتكلفة الإقتراض. وخامسها، إرتفاع سعر الفائدة وتقلبات أسواق المال، وغيرها من العوامل. ولا شك أن إستمرار تلك العوامل أدى إلى تفاقم مخاطر المديونية، وأشدها بأسا عدم القدرة على السداد، أو الإقتراض، ثم الإقتراض مجددا لسداد الدَّين، وهو ما يسمى "مصيدة الدَّين"، وهي مصيدة لا يكون الخروج منها سهلا.
وتتوقع التقارير والدراسات المتخصصة أن عبء المديونية في الدول النامية سوف يتفاقم ليصل إلى 100 في المئة من الناتج الإجمالي العالمي، إذا ما بقيت السياسات كما هي، وإذا ما واصلت تلك الدول تأجيل الإصلاحات الهيكلية اللازمة، وذلك بفعل النمو السكاني، ومتطلبات النمو في الإنفاق الحكومي، والعجز في الموازنة العامة، والحاجة لمواجهة التغير المناخي، والضعف المؤسسي، وضعف السياسات المالية نتيجة ندرة الإحتياطيات من العملة الأجنبية، وإرتفاع تكلفة الإقراض.
إن نمو المديونية إلى مستويات غير مسبوقة، لا يشمل فقط الدول النامية، إنما أيضا المتقدمة التي سجلت تناميا مطردا في الدَّين العام، إذ بلغت مديونية الولايات المتحدة نحو 36 تريليون دولار، واليابان نحو 9.2 تريليون، وبريطانيا نحو2.7 تريليون جنيه، وفرنسا نحو3.3 تريليون يورو.
من الواضح أن مديونيات هذه الدول تفوق ناتجها الإجمالي، وتشكل مشكلة كبيرة أمامها، وتضع إقتصاداتها تحت ضغط شديد وفي طريق الأزمة.
ورغم ذلك، فإن من غير الصواب مقارنة تلك الدول بالدول النامية، ولا يصح أبدا أن تبرر النامية إرتفاع مديونيتها، أو تقارنها بما يحصل في تلك الدول، فالمتقدمة لديها أسواق دَيْن عميقة، وملاءة عالية وإحتياطي عملات، ومؤسسات قوية، وإدارة متمكنة للدَّين والإقتصاد، وتكلفة إقتراض أقل، وفي كل ذلك، لديها إقتصادات هي الأكبر والأقوى في الإقتصاد العالمي.
وتلك جميعاً لم تتمكن الدول النامية المدينة من تحقيقها أو توفيرها، مما جعل مديونيتها، أي الدول النامية، تتدحرج وتكبر وتثقل كاهلها دون بارقة أمل تلوح في الأفق، وهو ما تعاني منه تلك الدول بشدة حين لم تحسب حساب عواقب الإقتراض.
رغم أن نسبة المديونية من الناتج المحلي الإجمالي تعتبر مؤشراً مهماً وله دلالة مهمة، إلا أن الأهم هو مؤشر نسبة خدمة الدَّين من الإنفاق العام، والركون للمؤشر الأول، وبقاء الثاني في خضم التوقعات والتقديرات غير الدقيقة، دفع الدول النامية إلى مزيد من الإقتراض بما فاق نسبة 77في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، وهو مستوً له تأثير سلبي على النمو الاقتصادي، ويسهم بتراجع القدرة على السداد والإرتفاع التدريجي للمديونية، واستمرار ارتفاع هذه النسبة قد يؤدي إلى خطر التخلف عن سداد الديون، مما يؤثر على الاستقرار المالي لتلك الدول.
وقد توغل عدد من دول الشرق الأوسط، ومنها دول عربية، في هذا المنحى المحفوف بالمخاطر، دون الإلتفات إلى ما يتعين عليها من إصلاحات مالية وإقتصادية، ولم تلتفت كذلك إلى نداءات صندوق النقد الدولي بشأن تلك الإصلاحات، وأصبحت تعيش ومواطنيها في ظروف صعبة.
ومهما حرصت الدول النامية المدينة على الحفاظ على نسبة دَين صحية ومعقولة، فإن مفاعيل نمو الدَّيْن فيها تبقى مستمرة، ولا يكبحها إلا اقتصاد متعافٍ، وقادر على تحقيق نمو مرتفع ومستدام.
المدير العام السابق للمعهد العربي للتخطيط