تحول الاقتصاد العالمي ساحة مستعرة من الحروب التجارية، وتحولت العولمة إلى معترك، والتجارة الدولية صراعاً محموماً، ولم تعد الأدوات والمقومات الاقتصادية التقليدية، مثل النفط، سيدة الموقف، بل أصبحت رهينة تطورات اقتصادية يصعب توقعها، أو التنبؤ بظهورها وآثارها.
وأصبح الجميع واقفا على أطراف أصابعه تأهباً لما قد يستجد ويطرأ، ففي الوقت نفسه الذي لا تزال فيه معركة "التعرفات الجمركية" قائمة، فاجأتنا الصين ببعد آخر للحرب التجارية العالمية وهي "حرب المعادن النادرة" التي تهيمن على استخراجها وتصنيعها وتصديرها للعالم، وهو تطور سيؤثر على كل اقتصادات العالم المنتجة والمستودة لهذه المعادن، ومن غير الاثنتين، ولا أحد سيكون بمعزل عنها.
ووفقا لتقرير أعدته "بلومبيرغ"، فإن حرب المعادن النادرة هو بمثابة نهاية مرحلة ضبط النفس الصيني، وبداية انتهاج الرد بالمثل على السياسات التجارية الأميركية، مما ينذر بعواقب على التجارة الدولية ومختلف اقتصادات دول العالم.
وقد كان الرد الصيني على قرار الإدارة الأميركية برفع الرسوم الجمركية على الواردات الصينية بنحو مئة في المئة، بسلسلة قرارات تُقيِّد الصادرات الأميركية من الرقائق وبرمجيات الذكاء الاصطناعي دقيقة التقنية إلى الصين.
هذا مؤشر غير جيد للدول التي تتأهب للدخول في عالم الذكاء الاصطناعي، والذي تدخل فيه المعادن الثمينة في أكثر من 97 في المئة من صناعاته، بدءاً بالإلكترونية مرورا بالتكنولوجيا الطبية، وصولا للتقنيات العسكرية المتقدمة.
إن الحرب التجارية بين الولايات المتحدة والصين ما هي إلا صيغة أخرى للحرب الباردة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي سابقا، ففي كليهما الرؤى متعارضة، والمصالح متناقضة، والمسافات متباعدة، وكل منهما يمتلك مقومات الصمود والاستمرار.
الولايات المتحدة والصين تمتلكان أقوى اقتصادين في العالم، إلا أنه رغم ذلك تضررا كثيرا جراء هذه الحرب، بل وحتى الاقتصاد العالمي لحقه الضرر، فوفقا لصندوق النقد الدولي شهد النمو الاقتصادي العالمي تراجعا بمقدار 0.5 في المئة منذ إعلان الإدارة الأميركية زيادة الرسوم الجمركية، فإذا كانت هذه حال عملاقي الاقتصاد العالمي، فما حال صغاره؟
إن تنامي أضرار الحرب التجارية لا تقتصر على طرفيها، أميركا والصين، بل تؤدي إلى اختلال كبير في التجارة الدولية، وتضعف قدرات الدول النامية في الدخول إلى سلاسل التزويد والإنتاج، وتكبدها العديد من الخسائر في الأمد الطويل.
كما تضعف الطلب العالمي على صادراتها من المواد الأولية، ويؤدي تباطؤ التجارة الدولية الناتج عن هذه الحرب إلى إعاقة نمو الصناعة فيها، وإتساع الفجوة بينها وبين الدول المتقدمة، إذ أن الحرب التجارية القائمة ستتواصل مفاعيلها وآثارها لأمد طويل، ما لم تستجد عناصر وعوامل في طرفيها، أو أحدهما، تضع حدا لها، وهذا من غير المتوقع.
هنا يطرأ سؤال مهم: كيف تحافظ الدول الصغيرة والاقتصادات الناشئة على مصالحها الاقتصادية، وتزيد منعتها في هذه الحرب؟
الإجابة هنا معروفة، وطالما تم تكرارها أمام كل تحد يواجه الدول النامية والصغيرة، وأولها أن تأخذ هذه الدول النتائج المتوقعة لهذه الحرب بمنتهى الجدية، وتعمل على احتوائها وتحويل نتائجها لصالحها، ولا تكتفي بدور المتفرج إلى أن تعصف بها هذه الحرب. ولا بد في ذلك، أن تعمل بكل جدية وكفاءة على بناء اقتصاد متعاف خال من الاختلالات، وقادر على تحقيق نمو تشغيلي مستدام، والبناء التدريجي لنظام أمن غذائي نسبي، يعتمد على طاقات إنتاجية محلية، وإقامة شراكات إقليمية تجارية، وخلق سلاسل إنتاج إقليمية مشتركة، والتحكم بالمديونية في حدها الادني والتحكم في الإنفاق العام وضبط الهدر، وتحقيق استقرار مالي مقبول.
وما لم تتخذ الدول النامية هذه الإجراءات بحزم ستبقى ضحية تطورات هذه الحرب التجارية المتنامية.
إن الحرب التجارية الحالية ليست مرشحة فقط للاستمرار فقط، لكن أيضا لتوسع نطاقها لتشمل جوانب أخرى غير ما ذكر أعلاه، بل وستشمل عناصر وأنشطة تكون الدول النامية في حاجة ماسة اليها، ومنها التكنولوجيا المتقدمة، والذكاء الاصطناعي، والطاقة المتجددة، والتكنولوجيا الخضراء، والسيارات الكهربائية، وتكنولوجيا الإتصالات، ومصادر الغذاء.
أي أنها سوف تشمل طائفة واسعة من الانشطة والمنتجات التي لا تستطيع أن تستغني عنها اقتصادات الدول النامية والناشئة.
بانتهاء الحرب الباردة في نهاية ثمانينات القرن الماضي، ساد ارتياح عالمي، مع نداءات العولمة، باعتبارها صيغة جديدة للتعاون الدولي، إلا أن ذلك الارتياح ما لبث أن بددته رياح العولمة التي تحولت هيمنة، والدخول إلى نظام عالمي جديد، تنامى فيه الصراع الدولي، وتحول الاقتصاد العالمي مسرحا للتنافس المحموم، وأحيانا للصراع، بين محاور عدة، ما لبث أن أصبح بين قطبين، الولايات المتحدة والصين، ولم تتمكن الدول النامية، وخصوصا التي غابت فيها الإدارة الاقتصادية الكفؤة، من تحقيق تقدم ونمو، وتنمية تؤهلها للحفاظ على مصالحها، ولتبوأ موقع مهم في العلاقات الاقتصادية الدولية.
وها هي الدول النامية نفسها تبقى متفرجة في حرب تجارية لا ناقة لها فيها ولا جمل، وكل ذلك بسبب الفرص الضائعة، وسوء إدارة الاقتصاد، التنمية العرجاء لا تحقق أهدافها.
المدير العام السابق للمعهد العربي للتخطيط