إنّ الملامح التي طفَت الى سطح الواقع اللبناني، تدلّ، وبما لا يقبل الشكّ، على تركيبة هشّة، منفرِطة، ركائزُها الملموسة هي المخادعة، والمتاجرة بالعواطف الطائفيّة، أو الانفعال الطائفي، والمسايرة الكاذبة، وإثارة العصبيّات، وتَقاسُم الفساد.
فليس هنالك من حسّ وطني جامع، ولا مسؤولية عامة، ولا أخلاق ناتجة عن الانتماء والولاء. إذاً، فالطريق الى عمق لبنان يوصلُ، ربّما للأسف، الى تضييع فرصة التّلاقي بين مكوّنات البلاد، ونَسف الانسجام بين الشّرائح التي تُشكّل النّسيج الوطني، ما يُسفِّهُ صيغة التّعايش، ويوجِبُ نكسةً لمشروع انفتاح المعتقدات بعضها على بعض، لا سيّما منها ما يتعلّق بما يُسَمّى الأقليّات.
لقد شاءت المصادفات التاريخية، ومجموع الأحداث المتعاقبة في المنطقة، وفي ما هو أبعد منها، أن يكون لبنان ملجأً لشعوبٍ أقلّوية ذات مذاهب ومعتقدات مختلفة، شكّلت فيه، على مَرّ الزمن، والتَّجاوُر، تركيبةً بشريّة فريدة أُطلَقَ عليها اسم الصيغة التعدّدية المُتجاوِزة، والمتمايزة عمّا ساد من أحاديّة في الإقليم المُحيط بلبنان.
وقد أشار المؤرَّخون، وعلماء الاجتماع، الى أنّ التّمايز يعود إلى انفتاح شعب هذه البلاد على اللّغات والحضارات المختلفة، والذي أدّى الى التّلاقح الثّقافي أو التّفاعل الإيجابي بين لبنان وسواه، وهو أساس الرقيّ، والتطوّر في الفكر والممارسة.
إنّ الدّيناميّة التي ولّدها التقاءُ المُتجاوِرين، نشأَت من وضعٍ لافِت، هو قَبول أن يأخذَ كلٌّ عن كلٍّ خَيرَ ما لديه، للتّكامل، ولا نعني، هنا، الانصهار أو الذَّوبان، بل أن يتمِّمَ واحدهما الآخر.
وقد استمرَّت هذه الحال التي سُمِّيَت العيش المشترك، ردحاً طويلاً من الزّمن، رّغم بعض التّعارك الدّموي الذي دفع إليه التّكابر، والأنانيّة، والمصلحة، والتدخّل من خارج، وسلطة الانتداب والمستعمِرين.
ولكن، بعد "سايس – بيكو"، وتقسيم المنطقة الى دُوَل، حاولَت كلُّ أقليّة، أو طائفة، في لبنان أن تُثبِّت نفوذها، ما عزَّز الطّابع الطّائفي في نظام المجتمع، والانقسام السياسي في مسار البلاد.
وقد انتقلت العلاقة بين فئات المجتمع الى نوعٍ من النّفاق، يمدُّه التعصّبُ بأَجيجه، فتلاشَت جدوى الخصوصيّة التي شكّلت حالةً لم يُحسن الدّاخل والخارج صَونَها، فقُضِيَ عليها.
فبدلاً من التحام الشّرائح المختلفة، وطنياً، انتماءً وولاءً، وبَدلًا من التّكوكب حول وحدة المصير، تَحوَّل لبنان الى بؤرةٍ جاهليّة السّلوك، وهذا أعظم الخطر وأَدهاه، فكلُّ طائفة تحاول أن تثبِّتَ أقدامها على حساب الطوائف الأخرى، في نزعةٍ استبداديّة سلطويّة، وأن تكون لها الكلمة الفصل في مصير البلاد والعِباد، من دون أيِّ تقديرٍ لمشاركة بقيّة الخليط الوطني.
ولمّا كانت السلطة هي المُكَوِّن الأساس للتّنافر والتّناحر، والمناقضَة والخصومة، فقد كُشِفَت الأقنعة عن حقيقة العلاقة بين فئات المجتمع اللبناني، والتي قامَت بين"شُعوب" تتصالح عندما تتقاسم المكاسب والمصالح، في تحالفٍ قَسريّ "لَدود"، هو ليس سوى مساومة مخادِعة على الوطن، سرعان ما تتحوّل الى تمزّقٍ، واقتتال يجرّان الوَيلَ وقُبحَ الموت في مذبحة أهليّة طاحنة.
وهذا يعني أن المواطنين يمارسون الازدواجيّة المَقيتة، بين ما يُضمِرون في سِرّهم، وما يُظهِرون في عَلَنِهم. وهذا ليس، أبداً، قَدَراً يُستَسلَم له، بقَدر ما هو سلوكٌ يصنعُه أصحابُه في قناعةٍ منهم.
إنّ مَكمَنَ العِلّة المزمِنة، في لبنان، هو ديموغرافي يتمثّل في الانقسام الطّائفي، ما أدّى الى هشاشة الدّولة، والى صدامات قاتلة، رّغم بدعةِ تكريس توزيع السلطة بين الطوائف، حتى لا تذوب طائفة بأخرى.
أمّا ما ساد عن تَحالفِ الأقليّات، الدينيّة والعرقيّة، فلم يكنْ إلّا وَهماً، رّغم إعطاء بعضها دَوراً محورياً لتمتين الوحدة الوطنيّة، فبدلاً من الاندماج والمشاركة، مارسَت التّهميش والانعزال، أو اتُّهِمَت بهما.
إنّ الأقليّات في لبنان اكتفت بالشّعارات، لذلك، لم تنجح في إنتاج مشروع سياسي جامع، يستند الى رؤية وطنيّة واضحة، قوامها الانفتاح لا الانغلاق، والتّوازن لا احتكار القرار.
ولم تنتقل من الخطاب الطائفي الضيّق الى خطاب المواطنة والدولة، ولم تنتهز الفرصة السّانحة، في فترات الهدوء، للمَضِيّ الى الإصلاح و"شَيل" البلاد عن اللّائحة السوداء، هذه التي كان عدم احتجاج اللبنانيّين عليها، وكأنّه اعترافٌ بالذّنب!
لسنا نُنكِرُ أنّ الصّادِقين، وهم قِلّة، شهَّروا بالطّائفية التي التَفَّ حَبلُها على عُنق الوطن، وخَنَقَه، لكنّ ذلك لم يكن كافياً لعُبور الوطن إلى مائدة التّعافي. فالمطلوب إصلاح النّفوس ليعود لبنان الحُر النقيّ ضمير الأمّة.
كاتب، أستاذ جامعي لبناني