في استجابة كريمة من معالي المستشار الوزير ناصر السميط، وتجسيداً لحرص القيادة القانونية على تحقيق العدالة الأسرية وصون كرامة المواطن، وجه معاليه بقرار حكيم نقل تبعية مراكز الرؤية من إدارة الاستشارات الأسرية إلى إدارات التنفيذ، في خطوة تعبر عن رؤية متقدمة، وبعد نظر عميق ووعي إنساني، واجتماعي رفيع المستوى.
لقد جاء هذا القرار انطلاقاً من حرصه الدائم على مصلحة الأسرة والطفل، وإدراكه عمق المعاناة التي يواجهها الآباء المتضررون من سلبيات مراكز الرؤية، التي تحولت في أغلب الأحيان إلى معوق حقيقي، معرقل لتنفيذ الأحكام القضائية، بدل أن تكون وسيلة لتحقيقها.
لذا فإنه تحسب لمعاليه هذه الاستجابة السريعة لما تم طرحه بالتحقيق السابق حول فشل مراكز الرؤية وسلبياتها، وتسببها في تفكيك للأسر، وقطيعة للأرحام بعرقلتها لتنفيذ الأحكام القضائية الصادرة لصالح الآباء، تحت ذرائع واهية، رغم أن الطفل الصغير لا يملك من أمره شيئاً، ولا يعي ما يدور من حوله، وغالباً ما يُملى عليه موقفه من الحاضنة نكاية في والده.
لقد آن الأوان لإصلاح مسار هذه المراكز، وتصحيح دورها بما يحقق الغاية السامية التي أنشئت من أجلها، المتمثلة في الحفاظ على صلة الرحم، وتخفيف حدة النزاع لا تأجيجه، وهنا يأتي دور إدارات التنفيذ، وتصحيح تجاوزاتها لتصبح أداة للعدل لا وسيلة للتعطيل، ولتردع كل من يستخدم الأطفال كوسيلة انتقام، أو ضغط نفسي ضد أحد الأبوين.
كما ينبغي على إدارات التنفيذ ألا تسمح باستمرار ازدواجية المعايير التي كانت تمارسها بعض موظفات تلك المراكز، إذ كانت المعاملة تُكال بمكيالين؛ الحاضنات يُعاملن كأبطال بينما الآباء في نظرهن مذنبين! رغم أن الأحكام صادرة لصالح الآباء، لكن يتم تعطيلها من موظفات، بشكل يبدو ممنهجاً في تجاوز واضح لمبدأ العدالة والحياد، الذي يفترض أن يحكم عمل هذه المراكز.
ويستوجب أيضا على تلك الإدارات استحداث آلية واضحة وملزمة لمراكز الرؤية بتنفيذ الأحكام القضائية دون تأخير، أو تهاون، بحيث لا يُسمح لأي مركز أو موظف باستخدام أعذار واهية لتعطيل التنفيذ.
فوجود مثل هذه الثغرات يتيح للبعض التهرب من الالتزام بالأحكام تحت ذرائع واهية مما يساهم في تحويل المراكز من جهة محايدة لدعم تنفيذ الأحكام، إلى أداة تعيق حقوق الأبناء وأولياء أمورهم، وهو ما يستوجب وضع آليات صارمة للرقابة والمتابعة، وتفادي أي استغلال يضر بمصلحة الأطفال والأسرة.
وفي هذا الإطار من الأهمية بمكان ألا يقتصر نقل تبعية مراكز الرؤية إلى إدارات التنفيذ على الجانب الشكلي فقط، إذ أن هذه المراكز من المرجح أن تعمل بموظفيها ذاتهم بمن فيهم المستشارات النفسيات، واستمرارهم في أداء مهماتهم ذاتها لحين إشعار آخر، ومن ثم فإننا نشدّ على أيدي إدارات التنفيذ أن يكون هذا الإحلال مصحوباً بتغيير حقيقي في النهج وآلية العمل، بحيث لا يُعاد العمل بالنظام العقيم السابق، الذي كان معمولا به أثناء تبعية المراكز لإدارة الاستشارات الأسرية، والذي شابه العديد من الممارسات السلبية التي ترهق أصحاب الأحكام وتعرقل تنفيذ تلك الأحكام.
فمن أبرز السلبيات سؤال بعض مراكز الرؤية المحضون عن رغبته في الذهاب مع الأب، رغم أن الحكم القضائي لم يشترط ذلك، لا سيما وأن أحكام الرؤية واجبة النفاذ، ويعتبر هذا الإجراء الذي تنتهجه تلك المراكز تجاوزا غير مبرر على سلطة المحكمة، وهو ما يفسر جزئيا سبب نقل تبعية هذه المراكز إلى إدارات التنفيذ لما لها من السلطة القانونية، في ضمان تنفيذ الأحكام، دون أي ذرائع أو تعطيل، وان إرادة المحضون الصغير غير المميز لا يمكن أن تُستغل لتعطيل حكم قضائي واجب النفاذ.
ومن السلبيات أيضاً إجبار الآباء على الاصطفاف في طوابير لاستلام المحضونين، في مشهد غير لائق لا ينسجم مع مكانتهم، ولا مع طبيعة الأحكام القضائية الصادرة لصالحهم، وإلزامهم باستلام المحضونين قبل الموعد المحدد بوقت قصير لا يتجاوز ربع الساعة، مما يؤدي إلى التزاحم والارتباك، ويؤثر سلبا على نفسية الأطفال، منذ لحظة وصولهم.
فقد أثبتت التجارب السابقة أن غياب الضوابط الواضحة، وتعدد الاجتهادات، وتحيز بعض موظفات تلك المراكز لبعض الحاضنات أدى إلى تعقيد تنفيذ أحكام الرؤية، وخلق بيئة مليئة بالعراقيل النفسية والإدارية، فضلاً عن التفاوت في المعاملة وازدواجية المعايير.
ولذلك فإننا نأمل أن تكون هذه النقلة الإدارية بداية لتصحيح شامل في الفكر والأداء بما يضمن تنفيذ الأحكام بعدالة وشفافية، ويعيد لمراكز الرؤية دورها الحقيقي كمكان يحقق التواصل الأسري الآمن لا ميداناً للصراع والتعنت.
لذلك فمن الضروري أن تتفق سياسة وطريقة العمل بهذه المراكز مع السياسة الجديدة لإدارة التنفيذ، التي تهدف إلى ضمان تنفيذ أحكام الرؤية بشكل كامل، ودون أي تعطيل أو عرقلة، مما يتطلب رفع مستوى الأداء المهني لهؤلاء الموظفين، وإعادة توجيه أسلوب العمل بما يضمن حيادية المراكز، وحماية الأسرة، وحقوق الأطفال والأطراف كافة، وتحقيق الهدف الأساسي من الرؤية، وهو تعزيز التواصل الأسري في بيئة متوازنة وآمنة.
ومن الجدير بالذكر أن استجابة معالي الوزير لما نُشر تعكس حنكة رجل دولة، يدرك أن الأسرة هي نواة المجتمع، وأن حماية تماسكها مسؤولية، وطنية وأخلاقية، قبل أن تكون قانونية.
فكل الشكر والتقدير لمعالي الوزير السميط على حكمته وحرصه وقراره، الذي يعكس روح القيادة المسؤولة، ونتطلع لأن تكون هذه الخطوة بداية حقيقية لإصلاح شامل يعيد لمراكز الرؤية دورها الطبيعي في لمّ الشمل، لا تمزيقه، وفي بناء الأسرة لا تفكيكها، وتمكين الآباء من حقهم الإنساني المشروع برؤية أبنائهم في ظروف إنسانية تحافظ على الأسرة والطفل، على حد السواء.